صورة الموريسكي

الأربعاء 2015/08/05

في سنة 1612 ميلادية، أمر الملك الإسباني فيليب الثالث، صاحب القرار الشهير بطرد المورسكيين من شبه الجزيرة الإيبيرية، نائبه المركيز دو كاراسينا، بانتخاب صفوة من الفنانين الإسبان لتخليد لحظة “الترحيل القسري”، فتوجه هذا الأخير إلى عدد من رسامي مقاطعة بلنسية، التي شهدت مرافئها أكبر عملية تهجير، من مثل الأب أوروميغ وخيرونيمو اسبينوزا وفرانسيسكو بيرالتا وآخرين… بطلب تصميم أعمال تخلد الواقعة، التي لم تكن عملا يسيرا، بقدر ما كانت حربا كاملة، استنفرت لها جيوش المملكة، وأساطيلها البحرية، ورافقتها أعمال نهب ومصادرة وانتزاع للأملاك، ومصادرة للأطفال ما دون السابعة، وفظائع إنسانية دون حدّ. قبل إيصال ما تبقى من العائلات المنكوبة إلى الشواطئ الأفريقية، وتركهم في العراء لمواجهة قدرهم الدامي.

كان فيليب الثالث في حاجة إلى وثيقة بصرية تدون الحادثة التاريخية وتحفظها كمأثرة من مآثر الدولة القومية المنتصرة، وجاءت تلك الأعمال السبعة التي ترسم مئات المراكب مكتظة بالناس، وسلاسل طويلة من الراجلين تلوح في الأفق منتظرة دورها، يحرسها فرسان الجيش الإمبراطوري.

وتبدو وجوه المنكوبين في تلك اللوحات متشابهة، دون ملامح ولا قسمات على غرار معظم أعمال المنمنمات والتصاوير الكلاسيكية، لكن هذه الأعمال، الموجودة اليوم بمؤسسة “بانكاخا” ببلنسية، تحكي فقط ما جرى، وتصوّره بإيجاز وحياد، لا توحي ببطولة ولا بمأساة، تنقل يوميات التهجير عبر كتل بسيطة، تنفيذا لتعليمات الملك.

وحين سقطت الموصل قبل سنة في قبضة تنظيم دولة البغدادي، تناقلت القنوات العالمية صور المسيحيين العراقيين من أبناء هذه المدينة في رحلة على الأقدام عبر الصحراء، حاملين صغارهم هاربين من المحرقة الدينية، كما تناقلت مواقع التواصل على شبكة الإنترنت أشرطة أخرى لعمليات مصادرة أملاك المسيحيين الموصليين، وإعدام المتمردين منهم، ومرة أخرى أنجزت الوثائق البصرية بطلب من الحاكم (الخليفة)، كان الخيار يشبه تماما ما وقع بعد قرار التهجير القسري للمورسكيين، أي توثيق المذبحة وتوريثها، ونقلها بحرفية ليراها العالم.

تقول الواقعتان معا إن الفتح والانتصار غير مهمين في حدّ ذاتهما، الأهم هو صداهما لدى العالم، والصدى ليس شيئا آخر سوى الرعب، إذ لا مكان لمشاعر أخرى في انتصارات الحروب الدينية، والطائفية، حتى الفرح والغبطة يجب أن يكونا ممهورين بالرعب من القادم، والرعب عاطفة متطلبة تحتاج إلى أشكال حسية عن الدمار والعري والجوع والهروب، وما يرافق كل ذلك من جثث وأشلاء ووجود الجهنمي، شيء لا تتقنه إلا الوثائق البصرية، وما يتصل بها من فنون ومهارات، لتقول للمشاهد الحي أو القادم من بطن الغيب، إنها حقيقة وجدت في يوم ما، ومن الممكن أن تتكرر.

كاتب من المغرب

15