"صورة الوالد".. قصص مواجهات بين الراوي وظله

الاثنين 2013/12/16
قصص خالد الكريشي مشهديات لغوية

ما إن اندلعت ثورات الربيع العربي حتى درج القول بأنّ المبدعَ تلكّأ في أن يكون فاعلا فيها، وصورة ذلك أنه قد تخلّى عن وظيفته الانتهاكية للسائد والمألوف من رمزيات سلطويّة أحكمت قبضتها البطرياركية على رقاب الناس منذ عهود.

وهو قول وجد له مبرّرا في طبيعة تعاطي فئة من مبدعينا مع حراك شعوبهم، ولكنّه قول لا يجد مسوّغات انسحابه على كلّ المبدعين العرب، حيث ظهرت لهم كتابات انصبّت على إثارة المسكوت عنه من أسئلة هذه المرحلة نُشدانا من هؤلاء لثورة ثقافية تعضد ثورة الشارع.

ولعلّ المجموعة القصصية “صورة الوالد” للكاتب خالد الكريشي، الصادرة هذه الأيام بتونس، عيّنة دالّة على تنبُّه المبدع لدوره الحضاري في التغيير الاجتماعي والسياسي عبر سبيل الفكر الحرّ والكلمة الجريئة.

تضمّ مجموعة “صورة الوالد” القصصية ثمانيَ قصص قصيرة هي على التوالي “بطاقة زيارة” و”صورة الوالد” و”الرجل الحرباء” و”الحارق” و”الرحيل” و”ربض الحديد” و”ضياع″ و”حوار في طابور”. وقد قدّم لها الروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي بكلام غلّب فيه الحديث عن مَسيرة الكاتب السياسية على الحديث عن سِيرة المعنى داخل قصصه، وهو ما نراه ظلما حاق بأدبية هذه المجموعة القصصية وصنّفها تصنيفا أيديولوجيا لا يمثّل إلاّ ملمحا من مجموع ملامح “صورة الوالد” الأدبية التي سينعقد العزم على توضيح البعض منها في هذه القراءة القصيرة.


كتابة التكشف


نزعم أنّ القصّة العربية تشهد اليوم انتعاشا كبيرا لم يَحُدّ منه طغيانُ الرواية على المشهد الكتابي العربي، ذلك أن المنجز في هذه القصة ينبئ بقدرتها على الاستشراء داخل تفاصيل الواقع والانتصار لقضايا الإنسان فيه، بفضل ما صارت تتوفّر عليه من فنون شكلية وأسلوبية استثمرتها من مجالات إبداعية أخرى.

وفي هذا الشأن، لا تُخفي قصص “صورة الوالد” انفتاحها على وقائع المعيش وانكبابها على تفكيك جغرافيات أسئلته والحفر فيها بوعي نقديّ بحثا عمّا هو ثاوٍ طيَّها، بل ومواجهته.

وإذ تنفتح القصص على المعيش، نلفيها تتخيّر منه ما لم يستهلكه السرد كثيرا وتكشف عن سِرّانيته في حكيٍ منسوج بلغة لا تحفل ببلاغة تركيبها النحويّ احتفالَها بتحقيق بلاغة معناها.

إذ يظهر أنّ العبارة السرديّة لهذه المجموعة القصصية تتكئ على جملة لغويّة تتكشّف فيها تفاصيل موصوفاتها وأفضية أحداثها تكشُّفًا تحضر فيه أحوالُ الفاعلين النفسية والاجتماعية والسياسية، ومعها تحضر مفعولاتُهم بأحوالها وأمكنتها وأزمنتها، في مشهديّة متخيَّلة نكاد نسمع فيها همسات هؤلاء وهم يشرحون صدورهم بما سكتوا عنه أزمنة.

وهو أمر لا نخاله إلا تقنية سلك فيها الكاتب ثقافة الاعتراف المسيحي سبيلا إلى شدّ انتباه قارئه وتحقيق صدقيّة محكيّاته على غرار قول السارد في افتتاحية قصة “الرجل الحرباء”: “سأقصّ عليكم حكاية قد لا تعنيكم، لا أعلم إن كانت حكايتي أم حكاية غيري، كل ما أعلمه أنّي قرّرت وعزمت في هذه اللحظة بالذّات، لحظة صفاء وصدق، أن أكون صريحا معكم كصراحتي مع نفسي، وإيّاكم أن تتصوّروا أن هذه الحكاية ردّ فعل على عدم وصولي للبرلمان وفشلي في أن أكون نائبا عن الشعب” (قصة: الرجل الحرباء).

والبيّنُ في هذا الشاهد اعتراف “قدّور” بحربائيته في التعاطي مع واقعه وقلبه للسترة حسب ما يحقّق له مصالحه الشخصية، حيث تزوّج الطالبة العراقية طمعا في مال أبيها وجاهِه، وبواسطتها أيضا نال شهادة علمية عليا بتوصية من جهات رسمية عليا، ثم هو يتخلّص منها ساعة سقوط بغداد وانهيار نظام البعث فيها، لينتهي به مطافه عائدا وحيدا إلى تونس أين تضطرب حاله ويدخل مشفى للأمراض العصبية. وهو من القصّة بطلٌ في صورة مشوّهة من براغماتية مقيتة نلفي لها مستنسخات عديدة في فوضى واقعنا العربيّ الراهن.


ضيق الفضاء واتساع دلالته


لا نشكّ في كون السرد القصصي القصير لا يحتاج إلى أفضية شاسعة سواء أكانت مكانية أم زمانية، لتستوي فيه أحداثه، ذلك أن الحكي في القصة ينزع دوما إلى التكثيف والاختزال ما يمنحه شعرية رموزه. واتكاءً على هذا، لم تفارق قصص “صورة الوالد” أمكنتها المضغوطة هندسيا، ولكنها انفتحت بها على خزين دلاليّ يستحضر فيه الكاتب تاريخ المكان مرّة، ويحيل مرّة أخرى على ثقافة بعض الأمكنة في المتصوَّر الاجتماعي على غرار “السجن” و”غرفة المبيت” و”قاعة التمريض” و”قارب الهجرة” و”مبنى وزارة الداخلية” و”طابور التسجيل الجامعي”.

يفارق المكان صفة المفعولية في احتواء الأحداث ليحتاز له في السرد صفة الفاعلية، ويصير ممسكا بالأحداث يُجريها على هديٍ منه، ويغنيها بثقافته ويغتني فيها وتتنامى دوائرُ دلالاته.

ومن ثمة، تتعاضد في تعيين الفضاء القصصي صور ثلاث هي صورته التاريخية وصورته الهندسية وصورته الاجتماعية.

وهي صور يفارق فيها المكان صفة الضّيق الجغرافي صوب صفات جديدة هي من القصّة عمادُ التخييل فيها، بل هو يفارق صفة المفعولية في احتواء الأحداث ليحتاز له في السرد صفة الفاعلية، فـ”حين تلج بداية الربض، يشدّ انتباهك مباشرة شبّاك غرفتي بالطابق الأول المطلّة على بداية الربض، ومن ثمة على الشارع الرئيسي والسور الخارجي للمدينة العتيقة بشكل يمكنك معه الاطلاع على كلّ ما يجري بأسطح منازل الجيران وأبعد منهم قليلا.. كانت غرفتي بمنزل ربض الحديد رغم ضيقها، قد اتسعت لسرير حديدي أحمر اللون وتحته حقيبة جلدية مهترئة” (قصة: ربض الحديد). فالغرفة الموجودة بالطابق الأول، على ضيق مساحتها، استطاعت بشبّاكها أن تُحضر العالَم الخارجيّ إلى داخلها بشخوصه وأحداثه وأحواله إحضارا يتّسع لصديق الراوي “ابن الرومية” وخليلته ليمارسا طقسَهما الجنسي، وأحيانا “ومع بلوج الفجر وطلوع الشمس نكون قد تناسلنا وأصبحنا خمسة وأحيانا ستة أو سبعة”.

ولا شكّ في أن استحضار العالَم الخارجيّ، بجميع ألوان ناسه وأفعالهم وشهواتهم، داخل هذه الغرفة الضيّقة محيل إلى أنّ المكان/الغرفة صار بصوره جميعها ممسكا بالأحداث يُجريها على هديٍ منه، ويغنيها بثقافته ويغتني فيها بتنوّعها وتشابك علائق شخوصها، وفي خلال ذلك تتنامى دَلالاتُه وتتسع دوائرُها.


مواجهات الراوي


ما يلفت الانتباه إليه في مجموعة “صورة الوالد” للكاتب خالد الكريشي هو أحوال أبطالها. فلئن بدا البطل في كلّ قصّة مثقّفا محتفيا بإفراده ومتلبّسا به أحيانا في كثير من الإحالة إلى رغبته في تحمّل مسؤولية أفعاله، فإنه لا يعدو إلا أن يكون شخصية جالبة لاهتمام الآخر، حيث ظلّ متبوعا بشخصية أو بشخصيات أخرى في حلّه وترحاله.

وهو أمر قد نفسّره باختزان كلّ بطل في هذه المجموعة القصصية مَلمحًا من ملامح كاتبها، وخاصة ما اتصل بسيرته السياسيّة، غير أن هذا التفسير، على ما فيه من صدقيّة، يظلّ خارجيا محتاجًا فنيا إلى ما يبرّره من داخل السرد.

فالمحامي يتنقّل من مدينة القيروان لزيارة أحد موكّليه إلى السجن المدني متبوعا بعونيْ أمن في سيارة رمادية (قصة: بطاقة الزيارة)، وأحمد العربي ظلّ متبوعا بصورة عبد الناصر (قصة: صورة الوالد)، و”قدّور” لم يتخلّص من ماضيه الذي تبعه إلى غرفة المشفى (قصة: الرجل الحرباء)، و”الحارق” يبتلعه البحر وصورة حبيبته “صابرينا” عالقة بخياله (قصة: الحارق)، ومنتصر العربي يخرج من السجن ولكنّ الخوف من غول وزارة الداخليّة لم يبرح ذهنه (قصة: الرحيل).

وهو ما نزعم معه أنّ رواة قصص “صورة الوالد” يحمل الواحد منهم ضدَّه، بل لكأن الواحد منهم لا يستقيم له معنى إلاّ بحضور ضديده والتصاقه به التصاق الظلّ رغم ما في ذلك من تقييد لأحلامه أو تضييق من حرّيته، حتى صار الضديد مثل “حِمْل ثقيل، تنوء به الجبال وقد عجزتُ عن التخلّص منه، حتى الوجوه تبعتني للربض أو ربّما كانت سابقة عنّي هنا” (قصة: ربض الحديد).

وفي هذا ما ينبئ بأنّ الرواة صورة لمجتمع المثقّفين وأصحاب الفكر الحرّ في تونس، أولئك الذين لم يجرِ لعابُهم إلى موائد السلطة، وتعرّضوا لمراقبة أجهزتها الأمنية ولمعاقبة أجهزتها القانونية. والذي عليه رأينا هو أن أدبية مجموعة “صورة الوالد” نهضت على مجموعة من التقنيات الفنية التي نلفي لها صورة في بنية الجملة الواصفة، وفي وظيفة الفضاء الحدثي.

إضافة إلى تكوين الراوي السياسي والنفسيّ والاجتماعي. وقد تعاضدت هذه التقنيات الفنية مع المضامين القضويّة المحمولة في متون سردية مكتنزة بمواجهات بين الراوي وذاته، وبينه وبين الآخر: مجتمعــا ومؤسّسات وسلطة، وهــو ما نراه قد يمنح هذه القصص انقرائية واسعــة.

14