صورة تذكارية مع نزار في طرابلس الغرب

نزار الشاعر لم يعبأ يوما بأمثالي، لم يلتفت يوما إليهم، بل واصل عبوره الفذ إلى قلب النهار والحياة والحرية، بجرأة غير معهودة.
الأحد 2018/05/13
شاعر أصيل أبصر في ظلمة الواقع العربي طريقه

أعترف بأن بداية علاقتي بنزار ابتدأت بخصومة. كان هو قامة أدبية شعرية هائلة ذائع الصيت، وكنت أنا شابا نحيلا غرّا، في أول حياته، وكل ما نشرت لا يتجاوز أبياتا شعرية قليلة وهزيلة في صفحات بريد القراء بالصحف الليبية المحلية.

يبدو لي أن البداية لتلك الخصومة كانت في الفترة التي أعقبت دخولي الجامعة، وهي الفترة التي شهدت بدايات وعيي السياسي. لم تستهوني أطروحات الإسلاميين (الإخوان المسلمين، وحزب التحرير)، وقادني حبي وولعي للأدب والفن إلى ساحات اليسار، ووجدتني مع قلبي أرحل خلف رايات الثورة في فلسطين وبيروت وأميركا اللاتينية، وأغواني شعراء المقاومة الفلسطينية برقي وجماليات فنهم الشعري ونبل القضية، لذلك لم يكن أمامي من حل سوى أن أرفض نزار قباني وشعره كلية، وأعتبره وشعره مجرد طفح سرعان ما يتكفل الزمن بطرحه من طريقه والإلقاء به في سلة النسيان.

وأعترف بأنني طوال سنوات الخصومة المفتعلة من جانبي لم يخالجني أدنى شك في موهبة نزار الشعرية، بل أعترف بأن موهبته سببت لي كثيرا من الألم خاصة حين كنت أقرأ له ما تنشره الصحف من قصائد أو أسمع قصائده تتدفق من بين شفتي فيروز، فأحس بعصافير قلبي ترف في صدري وكأنها تريد الفرار منه ومعانقة حروف قصائده.

في عام 1975 زار نزار ليبيا، وقرأ العديد من قصائده في مسرح كلية العلوم بجامعة طرابلس (الفاتح منذ 1976). أذكر أنني حضرت ذلك اللقاء، وأذكر أن المسرح كان غاصّا بالطلبة من الجنسين. وحين انتهى نزار من إلقاء قصائده وغادر المسرح كنت واحدا من مجموعة صغيرة من الطلبة المحظوظين، الذين تمكنوا من إقناعه بالتقاط صورة لهم معه. هل كنت أمارس الدجل والنفاق أم أنني كنت على حقيقتي، صبيا غرا، أقاوم وأخبئ ما يحبه قلبي من أجل الفوز برضى وامتنان من هم أكبر مني سنا؟

الآن، وبعد مرور سنوات طويلة أعتقد أنني كنت واقعا تحت تأثير ما أصاب الكثيرين ممن كانوا يحسبون أنفسهم على تيار اليسار، أي ما يمكنني أن اسميه الآن بضيق أفق غير عادي كنتاج لتخشب أيديولوجي يعد مؤشرا على فقر دم تيار سياسي كان يعد نفسه لإشعال فتيل الثورة في واقع عربي مترد وفي نفس الوقت يصر على معاداة شاعر كان الشباب من الجنسين يردد قصائده!

الغريب أيضا أن اليمين واليسار اتفقا على نفس الموقف ولأسباب مختلفة.

بعد سنوات عشر سلخها السجن من روحي وعمري، وفي بدايات أيام غربتي التجأت إلى شعر نزار، ودفأت قلبي من صقيع غربته بأشعار نزار، وتذوقت روحي عسل روحه.

أنا لم أظلم نزار بقدر ما ظلمت نفسي وحرمت ذائقتي الشعرية من التمتع والتفتق والرفرفة. نزار الشاعر لم يعبأ يوما بأمثالي، لم يلتفت يوما إليهم، بل واصل عبوره الفذ إلى قلب النهار والحياة والحرية، بجرأة غير معهودة، وثقة شاعر أصيل أبصر في ظلمة الواقع العربي طريقه، فسار، دون تردد، وبجمال، حتى قلب النبع.

 ينشر الملف بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

14