صورة حقيقية وفعل صحفي وهمي

الجمعة 2014/04/18

لم تكن صحيفة مثل “ديلي ميرور” بحاجة إلى التلاعب بالمشاعر في قصة لا تحمل تأثيرها لدى جمهور بريطاني هو بطلها أصلا، لا أحد يمكن أن يصدق أن ثمة جوعا في بريطانيا إلى الدرجة المخيفة، قبل أن يعرف أن صورة لا تمثل الحقيقة ألحقت في القصة عن جوع الأطفال في البلاد.

فعلى صدر صفحتها الأولى أمس الأول وضعت الصحيفة صورة مؤثرة وفظيعة لطفلة تبكي من الجوع، وتساءلت في عنوان لها لماذا إذن نضطر إلى توزيع مليون طرد غذائي، في إشارة إلى بلد يوجد فيه أطفال يتضورون جوعا!

ليس من مهمتي هنا مناقشة إن كان ثمة جوع في هذه البلاد أم لا، فثمة أرقام شفافة يعلنها بنك الطعام البريطاني عن المساعدات التي يقدمها للمشردين والمحتاجين، كما أن مجرد إطلاق مثل هذا السؤال سيثير استهجان الجمهور البريطاني أصلا، لكن ألا تبدو الصحيفة قد سقطت في وحل قصة غير حقيقية أصلا، ولم تجد ما يبرر قصتها سوى أن تنتقي صورة لطفلة أميركية باكية التقطتها عدسة والدها، تنهمر دموعها ليس من الجوع بل لأن حشرة صغيرة تملصت منها بعد أن كانت تداعبها!

هكذا إذن صنعت الصحيفة قصتها من فكرة هشة عن وجود جوع في بلاد مثل بريطانيا، ولفقت صورة معها -بما تحمله من تعبيرات مؤلمة- لطفلة أميركية لا تبكي من الجوع بل لتملص حشرة تحبها من بين أصابعها! لتمرير الفكرة.

يتعاطف كاتب مثل أندرو براون مع بكاء الطفلة في الصورة ويرى فيها حقيقة مؤثرة، لكنه يستهجن توظيف الصور في غير مكانها، فالصورة ليست وهمية لكن الفعل الصحفي كذب بامتياز.

لن تترك ثيمة القصة مساحة مرتبكة حول عدم واقعيتها لدى القراء، وستصبح محلا للسخرية والاستياء بعد معرفتهم حقيقة الصورة، فهي محاولة ساخرة للتلاعب بالمشاعر “غير أخلاقية”، حسب وصف براون.

لا أحد سيبحث أكثر عن مصدر الصورة بعد معرفة حقيقة التقاطها التي لا تمت بصلة إلى القصة المنشورة، وليس صعبا على المتابعين الحصول على أرقام رسمية حول جوع الأطفال في بريطانيا. لكن سؤالا سينطلق بنفس قوة “تفاخر” صحيفة “ديلي ميرور” بعدد ما توزعه يوميا، عن الجدوى من تحويل وظيفة الصورة إلى أشبه بمقبلات لتمرير قصص غير حقيقية.

لن يحتاج الصحفي إلى درس عميق لمعرفة أية دلالة للصورة باعتبارها مرآة للحقيقة وفهم أحداث العالم، وبمجرد استخدامها بغير ذلك ستشكل صدمة بصرية، فالصورة أكثر عدوى من الكتابة كما يقول ريجيس دوبريه.

يجدر هنا أن نعود إلى “ميثاق شرف” الذي أقرته ملكة بريطانيا، بعد أشهر من التحقيق حول قيم الأخبار في الصحافة.

وكيف أن الصحافة انتهكت منظومة القيم الأخلاقية التي أرسيت على مدار عقود، للإعلام والمجتمع معا، من أجل مصالح ذاتية، مستخدمة غطاء سميكا للتأثير والترهيب.

صورة الطفلة الباكية على الصفحة الأولى لـ”ديلي ميرور” تمس مسافة أخلاقية بين الجمهور والصحافة دون أي مبرر غير الصفة الدعائية وانتهاك قيم الإعلام.

ولطالما انتهكت الحقيقة في صحف من أجل الربح أو الدعاية أو لتمرير قصة مدفوعة الثمن، لكن الانتهاك في هذه القصة لا يحمل غير تفسير أن بعض الصحف تدوس عن قصد على دورها، لتزيد من مسافة التباعد عن الجمهور، ويا لهذا الدرس كم تحتاج الصحافة من جهد لتقترب من قرائها.

18