صورة خاشقجي مع عناصر طالبان وريغان: حدود الصحافة والسياسة

برامج الفضائيات المصرية تتشابه بانفراد كل مذيع فيها بافتراس مشاهديه.
الاثنين 2019/07/15
أين حدود الصحافي
 

يغامر الصحافي بمهنيته ومصداقيته،عند التعاون مع جهاز أمني أو استخباراتي أو بناء علاقات خاصة مع السياسيين، وهو بالضرورة خروج عن أبجديات العمل الصحافي الذي يكلف صاحبه ضريبة باهظة من القلق وحرق الأعصاب والعيش فوق حد السيف.

الصورة المتداولة لجمال خاشقجي بجوار الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان تثير أسئلة عن الحدود بين الصحافة والسياسة، وترسيم مسافة آمنة يجب ألا يتخطاها الصحافي إلى ملعب أبعد من النشر.

وحين أقول “السياسة” فإن للكلمة دلالات وظلالا أخرى ربما تكون خفيّة تبعا لطبيعة أجهزة سرية يقبل الصحافي التعاون معها. وأبجديات الصحافة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة تعلمنا أن الصحافي يجب ألا يعمل إلا صحافيا، ويحظر عليه أمران: العمل بالإعلانات والتعاون مع أي جهاز أمني أو استخباراتي، وعلى من يرغب في اختيار أي منهما أن يحسم خياره، بترك الصحافة تماما والتفرغ لما راهن عليه؛ فمن يخضع لرحمة المعلِن وإحسانه لن يكون موضوعيا إذا واجه اختيارا بين الحقيقة ومصلحة وليّ النعم. فماذا عن العمل مع جهاز سياسي أو سيادي؟

كان الشاعر أسامة عفيفي رئيسا للقسم الثقافي في مجلة “الموقف العربي”، وتصادف أن حصل على وثائق تخص المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة، فسارع إلى نشرها. وفوجئ بزيارة مسؤول يقدم إليه وثائق وأوراقا مهمة يفرح بالوصول إليها أي صحافي، ولكن أسامة لم يتوصل إلى هذه الوثائق، بل قدمت إليه، فشكره وأعادها إليه، وانتهى اللقاء. وقال لي إن في قبول الأوراق وعدا أو تعهدا بنشرها، وربما يكون هذا إلزاما ضمنيا. ولا يضمن أن تقدم إليه أوراق أخرى لن يكون حرا في التثبت من صحتها أو تأخير نشرها؛ لأنه رضي بأن يكون موظفا أو واجهة لما تريد هذه الجهة أن تعلنه، في الوقت الذي تحدده.

قريب من هذا الموقف ذكره محمد حسنين هيكل في كتابه “مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان” أن حسني مبارك اتصل به، قبل السفر إلى الأردن للقاء الملك حسين، أثناء جمع مادة كتابه “حرب الخليج: أوهام القوة والنصر”، وقال له هيكل إن الملك سيتيح له حرية الاطلاع على كل الملفات. وبعد عودته إلى القاهرة اتصل به مبارك، ووعده بالاطلاع على ملفات الرئاسة “السرية”، وأرسل الدفعة الأولى منها مع مصطفى الفقي سكرتيره للمعلومات، وبدأ هيكل قراءة الوثائق ثم توقف، وقال للفقي إنه يكتفي بقراءة ما اطلع عليه، ولا يريد المزيد؛ إذ شعر بحسه الصحافي والسياسي أن هذه الأوراق “مكتوبة بأثر رجعي، أي بعد الحوادث وليس أثناءها”؛ وأنها “محررة بتوجيه”. فهل يملك الإعلاميون المصريون في الفضائيات الحكومية والخاصة، وهم يكررون الخطاب نفسه حرفيا، نزاهة الاستغناء عما يقدم إليهم من معلومات، وما يؤمرون بمناقشته من قضايا، وما يتخذونه من مواقف؟ هم لا يملكون فضيلة الاعتذار عن خطايا مهنية فادحة وفاضحة، ومنها قسم المذيع أحمد موسى بعد أيام من قتل جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده بإسطنبول، أنه بقي في القنصلية عشرين دقيقة، ثم خرج إلى مقر المخابرات التركية. حماقة لا ترد بخيال أكثر السفهاء الكارهين لخاشقجي والمدافعين عن قتلته.

اقتراب الصحافي من السلطات السرية، فضلا عن مخالفته لقواعد الشرف المهني، قد يحقق فوائد مؤقتة ولكنه يحيل حياته إلى جحيم

أن تؤدي الصحيفة والفضائية أغراضا غير مهنية يفقدها المصداقية، حتى لو فرحنا مؤقتا بالدور الذي تؤديه. في ميدان التحرير كانت فضائية الجزيرة حاضرة بقوة، ولم يعترض أحد في الميدان على هذا الحضور المؤثر الذي نحتاج إليه. كان الهدف أن يتعاون معنا العالم كله للتخلص من مبارك، ولم ننتبه إلى ضرورة خوض المعارك الشريفة بأسلحة لا تقل شرفا. وفي كتابي “الثورة الآن: يوميات من ميدان التحرير”، سجلت يوم الأحد 30 يناير 2011 تحت عنوان “مبارك يعلن الحرب على الشعب” رسالة إلكترونية من الكاتبة الجزائرية المقيمة بباريس آمال فلاح تتساءل بقلق “ماذا يحدث عندكم؟ الجزيرة تجاوزت الإخبار إلى التحريض”. وفي حماسة الثورة لم نبال بالتحريض، ولم نتوقع أن يستمر التحريض وتتغير أهدافه.

في الصورة التي ترجع إلى عام 1985، حسب ناشريها، يجلس خاشقجي على يسار ريغان تحت صورة معلقة لما يبدو أنه جورج واشنطن، وفي القاعة عدد من قادة الفصائل الأفغانية بالزيّ المحلي. ولا أظن المهمة ذات طابع صحافي أو لحاجة ريغان إلى مترجم؛ ففي الإدارة الأميركية مترجمون ورجال استخبارات يجيدون لغات كل الأمم والقبائل. وكان الرئيس المصري أنور السادات قد استقبل عام 1980 وفدا من المجاهدين الأفغان، وصدرت صحيفة الأهرام بهذه العناوين:

– السادات للثوار الأفغان: سنقف معكم بكل ما في الإسلام من قوة.

– الرئيس يدعو الثوار لتشكيل حكومة مؤقتة والابتعاد عن الخلافات العربية والإسلامية.

– زعماء المجاهدين: السادات هو الزعيم الوحيد الذي تعهد بتقديم كل المساعدات لشعب أفغانستان.

لاختيار الصحافي عملا غير مهني ضريبة باهظة من القلق وحرق الأعصاب والعيش فوق حد السيف، وتصل المخاطر حد السجن

هل كان خطأ المجاهدين، وهم يخوضون حربا عادلة للدفاع عن بلادهم ضد الغزو السوفيتي، أنهم استخدموا أسلحة غير شريفة كانت تستخدمهم في لعبة أكبر منهم؟ عدو العدو ليس بالضرورة صديقا، وحين انتهى دورهم في إجهاد الاتحاد السوفيتي وتفكيكه، توالى ضخّ الأسلحة والتمويل إلى الفصائل الأفغانية في حرب أهلية لم تنته إلى اليوم؟

في يناير 2010 قال مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية والشؤون العربية بمجلس الشورى لصحيفة المصري اليوم إن الرئيس القادم لمصر “يحتاج إلى موافقة الولايات المتحدة وعدم اعتراض إسرائيل”، فوضع نفسه تحت مقصلة محمد حسنين هيكل الذي كتب للصحيفة نفسها مقالا عنوانه “شاهد ملك”، جاء فيه أن حديث الفقي “جملة كاملة، ومعبرة، وجملة مسؤولة بلا سهو أو خطأ، باعتبار أن صاحبها يعلم ما يقول، ويقول ما يعلم”. قسمة مثل هذه، ولكنها محلية ذات طابع أمني، تتم في اختيارات القيادات الإعلامية والصحافية.

وتسهل استعادة الخارطة الإعلامية في بدايات 2014، وتتساءل: أين ذهب الذين بشّروا بمصر جديدة؟ ولماذا تتشابه برامج فضائيات ينفرد في كل منها مذيع واحد بافتراس مشاهديه، فيعظ ويضلل ويصرخ ويحذر ويعد ويتوعد، ويخيّر المواطن المصري بين احتمال القبضة البوليسية والخيار السوري؟

لاختيار الصحافي عملا غير مهني ضريبة باهظة من القلق وحرق الأعصاب والعيش فوق حد السيف. وتصل المخاطر حد السجن، أو القتل. ويورد هيكل في كتابه “بين الصحافة والسياسة” خطابا من مصطفى أمين بعد القبض عليه متهما بالتجسس لحساب الولايات المتحدة أن اتصالاته برجال السفارة الأميركية “تمت بعد استئذان السلطات وموافقتها”، وأنه ألف في دار أخبار اليوم “جهازا لجمع المعلومات.. مؤلفا من محرري أخبار اليوم”، أوفد البعض منهم إلى سوريا أثناء الوحدة (1958 - 1961) والعراق والأردن وغيرها، وذكر أن إبراهيم سعدة “مكلف بالقيام بأعمال مخابرات بناء على اتفاق بيني وبين السيد صلاح نصر مدير المخابرات”. ثم أصبح سعدة في عهد السادات أصغر رئيس لتحرير أخبار اليوم.

كل هذه الشجون أثارتها صورة خاشقجي مع ريغان، ونهايته الغامضة الواضحة بتفاصيلها المفجعة. هذه التفاصيل تقول إن اقتراب الصحافي من السلطات السرية، فضلا عن مخالفته لقواعد الشرف المهني، قد يحقق فوائد مؤقتة، ولكنه يحيل حياة صاحبها إلى جحيم، لن يكون أقل من راكب أسد.

18