صورة سوريا في المرآة العراقية

الثلاثاء 2013/09/17

إن لم تنته سوريا إلى عراق آخر، وهو أمر مشكوك فيه، سيكون أمام السوريين فرصة تاريخية للندم، من خلالها يستطيعون إعادة إعمار ما تهدم من نفوسهم ومن بلادهم. سيكون عليهم أن يتعلموا من الدرس العراقي الشيء الكثير.

فالعراقيون برغم ثراء بلدهم يعجزون اليوم وبعد أكثر من عشر سنوات من النهاية الافتراضية لحرب أميركا على العراق عن بناء مدرسة، مستشفى، مكتبة، ملعب رياضي، مجمع سكني، دار للعجّز و ملجأ للأيتام أو إقامة حديقة عامة وسقي مزروعاتها بأنفسهم، إنشاء مصانع والحفاظ على معداتها وصيانتها بعد تشغيلها أو تربية أغنام ودجاج وأبقار أو تبليط شارع وإنارة مصابيحه. إنهم عاجزون عن إزالة الأنقاض التي تحيط بهم من كل جانب وتنظيف حاراتهم من المزابل. لقد انتهوا شعبا بائسا، فقيرا، معدما، غير مؤهل للقيام بشيء، لا يجمع بين أبنائه هدف وطني واضح. ذكرياته الجريحة لا تقف حائلا بينه وبين الخضوع لهوس الكثير من أبنائه المرضي في الاستيلاء على الممتلكات العامة في أي وقت يتاح لهم القيام بذلك. اختفى الشعور بضرورة أن تكون هناك دولة، يكفل وجودها تصريف حياة الناس وفق ما يمليه القانون من شروط، قد تكون تعجيزية بالنسبة لمن وجد في الفوضى فرصة للتستر على فساده.

ما لم ينظر السوريون إلى أخطاء أشقائهم العراقيين الجوهرية فإنهم سيذهبون إلى الجحيم نفسه. لا تنفع في هذا المجال أوهام الاختلاف التي يرددها الكثيرون باعتبارها بداهات عيش. لقد هدم السوريون بلادهم. قتل البعض منهم البعض الآخر. دفعوا بلادهم إلى هاوية، انزلقت من بعدها إلى حرب أهلية لم يكن طرفاها النظام ومعارضيه فقط. سمحوا بإرادتهم الذاتية لقوى أجنبية عديدة في التدخل في شؤونهم حتى صارت تلك القوى تملك سلطة القرار بدلا منهم.

صاروا يتبادلون مشاعر الريبة والكراهية والرغبة في الانتقام بعد أن توزعوا بين الأطراف الإقليمية والدولية التي جعلت منهم أدوات لتنفيذ مخططاتها، ففقدوا القدرة على فرز حقوقهم الأصيلة التي خرجوا من أجلها ثائرين عن مصالح ومطامع تلك الأطراف.

لقد خلطوا الأوراق فصارت قطر دولة ديمقراطية صديقة، وصارت جبهة النصرة بالنسبة للبعض جزءا أصيلا من الثورة السورية، ولم يخف الكثيرون انزعاجهم حين سقطت دولة الإخوان في مصر. في ذلك الوقت كان الخراب يتسع وتتزايد الملايين البشرية المشردة ويرتفع عدد القتلى واليتامى والأرامل والمعاقين والجرحى.

كل هذا فعله العراقيون من قبل، من غير أن يقفوا أمام مرآة الحقيقة ليعترفوا ولو لمرة واحدة بمسؤوليتهم عما جرى لبلادهم. لذلك فإن الكوارث التي تشهدها سوريا لن تنتهي، سواء سقط النظام الذي قاد البلاد والعباد إلى لحظة القطيعة التاريخية، أم بقي ذلك النظام صامدا في أطلاله لسنوات قليلة قادمة. فسوريا اليوم بلاد منكوبة، ولا أظن أنه سيكون في إمكانها أن تتخلص من آثار نكبتها بمجرد أن تنفض غبار الحرب عن ثيابها الممزقة.

ما هدمه السوريون مستعينين بالتمويل الأجنبي يتعدى المباني التي لن تقوى ميزانية سوريا على إعادة إعمارها، إلى النفوس التي صارت متخمة بالبؤس والأسى والكآبة، إضافة إلى ما تعرض له النسيج الاجتماعي من تمزق، هو في حقيقته التمهيد العملي لما يمكن أن تكون عليه صورة المجتمع السوري في المستقبل، باعتباره مجموعة متناثرة ومتناحرة من المكونات المذهبية والعرقية التي لا يثق بعضها بالبعض الآخر ولا يعول عليه.

لم ينفع العراقيين ثراءُ بلادهم بعد أن ضلّت نفوسهم عن رؤية الحقيقة. حقيقة ما فعلوه بأنفسهم وببلادهم. كذلك فإن السوريين بعد أن فشلوا في إدارة أزمتهم السياسية بأنفسهم وسلموا مفاتيحها إلى قوى خارجية، لن تكون نياتهم الطيبة، إن وجدت بعد كل الخراب، نافعة في إنقاذ بلادهم مما ينتظرها من أهوال. الندم وحده يمكنه عن طريق الاعتراف بالأخطاء أن يمهد لمصالحة حقيقية التاريخ.


كاتب عراقي

8