صورة طبق الأصل عن ود وتراحم بين المسلمين واليهود

الثلاثاء 2014/04/29
"تنغير القدس: أصداء الملاح" فيلم شاهد على تاريخ المملكة المغربية

الدار البيضاء – استقبل مركز تنغير للإعلام بتنسيق مع جمعية مقورن المخرج السينمائي كمال هشكار لعرض فيلمه المثير للجدل “تنغير القدس: أصداء الملاح” لأول مرة بمدينة تنغير المغربية. وقد تم عرضُ الفيلم في فندق بوكافر الأسبوع الماضي.

حدث استثنائي عاشه سكان مدينة تنغير المغربية من خلال عرض فيلم وثائقي نادر يؤرخ لفترة قريبة زمنيا كان فيها سكان المدينة المسلمون واليهود يتعايشون جنبا إلى جنب في بلد يضم أكبر عدد من اليهود في شمال القارة الأفريقية.

وكان يعيش في المملكة خلال خمسينات القرن الماضي حوالي 300 ألف يهودي لكن الصراع الإسرائيلي العربي والدعوات المتتالية إلى الهجرة من الدول العربية ساهمت في تقليص عددهم إلى أقل من 5 آلاف شخص.

بين جبال الأطلس الكبير وجبال الأطلس الصغير في قلب المغرب الأمازيغي تقف مدينة تنغير شاهدة على تاريخ المملكة، تاريخ يسرده المخرج السينمائي الفرنسي ذو الأصول المغربية كمال هشكار في فيلم أسماه “تنغير القدس: أصداء الملاح”.

وقد عرض الفيلم الوثائقي في مدينة تنغير التي صور جزء كبير منه فيها، بعد أن شارك به مخرجه في مهرجانات دولية في كل من كندا وواشنطن وفرنسا، ومدن مغربية رفض البعض منها عرضه خصوصا بعد الجدل الذي أثاره.

وتدور أحداث الفيلم حول يهود كانوا يقطنون في قرية أمازيغية في جنوب المغرب تسمى تنغير قبل أن يهاجروا إلى إسرائيل في منتصف القرن الماضي.

ويسافر مخرج الفيلم إلى تنغير لتبدأ رحلته من محل حلاقة كان اليهود فيما مضى من أهم زبائنه، ويذكر الحلاق، وهو رجل عجوز، المناطق التي كان يستقر فيها اليهود، وهي ثلاث: أسفالو وآيت أرجدال وتنغير، حيث كان في مقتبل عمره كغيره من الشباب يأخذ البضاعة من التجار اليهود ليعاود بيعها، وكان آخر يهودي غادر المنطقة عام 1964، وليسأله المخرج عما إذا كان الفراق قاسيا، فيجيبه الشيخ بالإيجاب، وأن بعضهم لم يكن يرغب في الرحيل إلى إسرائيل.

بيوت اليهود التي بقي البعض منها في مدينة تنغير المغربية

ثم ينتقل رفقة عجوز يدعى باها عبر أزقة تنغير ودكاكينها التجارية، والتي كانت فيما مضى ملكا لليهود، ليستقي شهادات مختلفة من أهالي المدينة، الذين عاصروا اليهود، وقاسموهم حياتهم اليومية وطرق عيشهم جنبا إلى جنب، ويتحدثون عن المحلات التجارية التي باعوها إلى المسلمين قبل رحيلهم بوثائق تثبت شرعية البيع والشراء.

كما تنقل المخرج عبر البيوت التي كانت لليهود ملاذا والتي بيعت هي الأخرى، بعضها أصبح أثرا بعد عين، والبعض الآخر آيل إلى السقوط، أو تداعى جزء منها.

كما يسأل أيضا مجموعة من التلاميذ عن اليهود الذين كانوا بالأمس في المدينة، فكانت أجوبتهم مختصرة، لأنهم لا يعرفون عنهم إلا ما يحكيه لهم الآباء، فاليهود هاجروا إلى إسرائيل، البعض منهم عاد من أجل بناء سور يحيط بالمقبرة التي تعتبر الأثر الخاص الذي يدل عليهم.

وينتقل كمال هشكار إلى إسرائيل ليستقي شهادات يهود من أصول مغربية عن حياتهم الماضية في تنغير مقارنة بحياتهم الحالية في إسرائيل في إطار علاقتهم مع المسلمين، وكيف تغيرت هذه العلاقة، مستعرضا عادات وطقوس البيت والعائلة وكل منهم يستعرض أمام المخرج ألبوم صور فوتوغرافية التقطت أثناء إقامتهم في المغرب.

وعبّر أحد اليهود للمخرج كيف أنه أصيب بصدمة عندما نزل بإسرائيل، ذلك أنه كان يعيش في المغرب، وفجأة وجد نفسه في مكان آخر دون أصدقاء. وعندما سأله عن هويته، هل هو عربي أم أمازيغي أم إسرائيلي؟ أجابه قائلا: “أنا أعيش هنا، لكنني لا أعرف هويتي، أنا لا أشعر بمثل ما يشعر به من ولد هنا، لأنه لا يعرف مكانا آخر غير إسرائيل. أما بالنسبة إلي فأنا أعرف بلدين. كما أنني لست مثل يهود ألمانيا أو بولونيا الذين فروا من هناك. في المغرب لم تكن هناك معاداة للسامية”.

وتأخذنا أحداث الفيلم إلى تنغير مرة أخرى لاسترجاع تفاصيل أخرى عن اليهود أثناء إقامتهم بهذه المدينة كمساندتهم للمسلمين في حروبهم، والعلاقة السلمية التي كانت تربطهم بجيرانهم، وطقوس الصلاة لديهم.

ويشير أحد أهالي القرية الذين عاصروا سنوات الرحيل إلى أن أشخاصا غرباء قدموا إلى المدينة وحرصوا على ترحيل اليهود عائلة تلو الأخرى. ثم يأخذنا المخرج مرة ثانية إلى إسرائيل لاستكمال تفاصيل أخرى، وتتحدث امرأة يهودية عن تغير سلوك المسلمين تجاه جيرانهم اليهود ما بعد عام 1948 بسبب احتلال إسرائيل لفلسطين، لكنهم لم يعتدوا عليهم إطلاقا، كما يرصد الفيلم عنصرية يهود إسرائيل تجاه اليهود المغاربة المرحلين، الذين يعتبرون إسرائيليين من الدرجة السفلى، خصوصا في بداية استقراهم هناك.

مخرج الفيلم كمال هشكار في أحد أزقة مدينة تنغير

وقد آخذ نقاد سينمائيون على المخرج أنه استند في فيلمه على آراء مؤرخين يهود ولم يأخذ برأي مؤرخين مغاربة من خلال استفساره عن الطريقة التي تمت بها عملية ترحيل اليهود المغاربة إلى إسرائيل، وانصبت الإجابة على أن التوراة تؤكد على ضرورة عودتهم إلى أرض أجدادهم، وهي آراء لا تمت بصلة إلى التاريخ لأنها أرض فلسطينية احتلوها.

وفي مشهد حوار مع مجموعة من الأطفال يقول طفل: “أجدادنا قالوا لنا إن اليهود كانوا هنا، لكنهم رحلوا إلى إسرائيل في الخمسينات، لكن الآن لم يبق منهم سوى آثارهم ومقبرتهم..”.

ويقول النقاد إن فيلم هشكار كسر العديد من الطابوهات، بملامسته إحدى النقاط المسكوت عنها في التاريخ المغربي، وهي موضوع التواجد اليهودي بالمغرب، كما يبرز تلك الحياة المشتركة التي كانت بين مغاربة بعضهم يهود وبعضهم مسلمون. فهو فيلم يتناول، كما يقول عنه مخرجه هشكار، موضوع التعددية الثقافية بالمغرب، وهو “عملية بحث عن هوية مفقودة”.

يذكر أن الفيلم عرض سابقا في كثير من المهرجانات المحلية المغربية من بينها المهتمة بحقوق الإنسان، وكذلك في المهرجانات الدولية المعروفة والشهيرة، حيث نال من بعضها جوائز أو تنويهات. وآخر جائزة حصل عليها كانت من المهرجان الوطني للسينما المغربية المنعقد في بداية شهر فبراير الماضي بمدينة طنجة. وقد أثار عرض الفيلم آنذاك جدلا واسعا، حيث تظاهر حوالي 100 شخص رافضين ما أسموه محاولات الفيلم “التطبيع مع إسرائيل”. لكن عرضه في تنغير قوبل بالترحيب من قبل جزء من المواطنين.

وحصل الفيلم في السنة الماضية على الجائزة الكبرى من مهرجان السينما وحقوق الإنسان بالرباط وتحمل الجائزة اسم الراحل إدريس بنزكري الرئيس السابق للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

20