صورة فوتوغرافية واحدة قد تقوم مقام الكثير من النصوص

لم يعد الشعر لغة يفتح الشاعر من خلالها منابت المجاز والصورة فحسب، فقد تحوّل إلى ثورة شاملة ضد الأنساق، وإلى محاولة جادة لتفكيك الأسئلة، والوقوف على عوالم جديدة من الحياة التي لم يكن لأحد القدرة على معرفتها إلا من خلال وعي الشاعر العميق بما يجري من حوله من كينونة أو عدمية، وذلك عبر سبر الوجود وإعادة صناعته من جديد. “العرب” توقفت مع الشاعر السعودي محمد آل حمادي في حوار حول مجموعته الشعرية الأولى وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
الاثنين 2017/06/12
أقوم بأدوار ليست لي

صدرت مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في لبنان المجموعة الشعرية الأولى للشاعر السعودي محمد آل حمادي حاملة عنوان “وجه فارغ”. ولأنه يرى أنه يجب على المصاب بالأرق أن يجد ما يُقنع به نفسه بوجوب عدم النوم الآن، وعندها سينام بالضرورة؛ لذا يدّخر آل حمادي نصاً مسرحياً ما زال يعز عليه أن يعالجه، وكذلك يعمل على عدد من مسودات نصوص كبداية لمشروع جديد، إلا أنها –حسب قوله- لن ترى النور في القريب المنظور.

وجه فارغ

لا يرى محمد آل حمادي في الأشياء إلا نهاياتها، ولا يبصر في الحياة إلا خنادق لمراسم العزاء الكوني الكبير. إنه يمدح التشاؤم، ويغري الآخرين إلى العدم وهو يجد نفسه معجوناً بالحاجة إلى ضدّه حين يعيش ضياعه الوجودي.

لهذا نسمعه يقول في أحد نصوصه “عالق أنا بالداخل، في لعبة صنعتُ قوانينها بنفسي، غارق وأحتضر، وأصرخ بالحياة، بحشد من الخواء والعطالة والدهاليز، ولا أريد النجاة”.

ضمن هذا السياق لا غرابة في أن تكون مجموعة “وجه فارغ” مسكونة بحالات من التوحش ومن الدمار، وبصور متتابعة من السوداوية؛ الموتى، السأم، رائحة الجوارب والأحذية، والخيانة، والهزيمة، والاختناق، وقاموس طويل من هذه المفردات.

يحدثنا ضيفنا عن مجموعة “وجه فارغ” قائلاً “لقد صافحت حقيقة كوني أبحث عن طريق للهروب من حالات عدم الفهم، عن طرق جديدة للتظاهر بالسعادة، ونصب فخاخ الذاكرة للأحداث المفجعة وغير المتوقعة، لكي تكون متتابعة ومنطقية ولها ما يبررها، كأن أجعلها في نفق مظلم وأغتصبها بنقطة بيضاء تمثل الضوء بالنسبة إلى أحلامي وأحكامي الجاهزة. إنني هارب، وعليَّ -عبثاً- أن أعرف الطرق التي طالما يقبض البؤس عليَّ بين دهاليزها”.

ويتابع في ذات الشأن متحدثاً عن وظيفة الشعر “إنه احتفاء بشرف المحاولة الفاشلة لإعادة توازن العلاقة مع العالم والحياة، وبالمقاومة الوحيدة المتاحة؛ أن أغتصب الحياة خشبة مسرح لأنجح في القيام بالأدوار التي ليست لي. وجه فارغ كان ينعكس في مرآة متروكة في حقيبة سفر مكسورة في المخزن.

كانت قد صُنعت من حوارات لا نهائية لشخوص ناقصة؛ بلا ملامح دقيقة، ولا مواقف محددة. كل ما تعرفه عن الوجود هو أن تنجح في تكرار اكتشاف تناقضات بعضها فيما خُلقت عليه بالسخرية والسباب والصراخ. تلك الشخصيات التي عدتُ إليها بعد سنوات من النسيان، وجدتها قد نضجت لتكون وجهاً فارغاً يواجه هذا النقص الفادح؛ سيولة النهايات، المواقف، والرغبة في مشاركة ما”.

يرى شاعرنا أن قراءة المشهد الشعري الشبابي في السعودية مسؤولية يرجو أن ينجح في عدم التماهي معها. يقول “نعم أتابع المشهد عن طريق ما يتوفر من إصدارات، وأخبار، وما ينشر في بعض الصفحات الثقافية، لكن حين أجدني أحاول قراءته سرعان ما أتحسس الوجه الفارغ الذي يحمل بصمات البدايات وأسئلة بوهيمية وطفولية تفوح منها مجموعة من الأفكار المؤدلجة والخطابات الرجعية أو تلك التي كانت تحمل كثيراً من المثالية ومن الذاكرة التي تحاول تنميط الكتابة وشكلها ومضمونها، أستأنس بهذا الوجه الذي يركل عبثاً نعمة كونه فارغاً وحرا. هكذا؛ أنتشلني بصورة عكسيّة مما يشبه الرغبة في تكوين صورة دقيقة أو حكم ما على لحظة محددة من ماء جارٍ”.

شاعر يبحث عن طرق جديدة للتظاهر بالسعادة

المثقف والآخرون

قادنا الحديث عن السعودية وكيف أنها تمتلك جغرافيا سوسيولوجيا متنوعة وممتدة من أقصى الشمال حتى الجنوب ومن الخليج حتى البحر الأحمر. وتساءلت معه إن كانت هنالك مظلة مشتركة تجمع المثقفين السعوديين، أم أنهم يعيشون في “كامبوندات” منفصلة، كلٌ يعيش همه الوجودي وسؤاله الفلسفي الخاص بمعزل عن الآخر؟

يجيب آل حمادي قائلا “لا بد أن يكون المثقف مستقلاً في طرحه وآرائه، وهذا لا يعني برأيي أنه قد يكون بمعزل، بل هي نافذة متجددة لن تخلو من تقاطع مع الآخرين. لا بأس أن يعيشوا في ‘كامبوندات‘ منفصلة. الأهم أن يشكل ذلك حواراً باتجاه الجديد والمختلف. مسألة الوعي الفردي/الجمعي لا تتكفل بها الإرادة فقط، بل ديناميكية التجربة من الداخل لها دورها الكبير كذلك”.

ويضيف الشاعر “نحن ندين كثيراً لكتاب وناشطين قاموا بالدور التنويري الفردي في أزمنة كان من الخطر أن يقبل أحد بهذه البطولة، وما زالوا وغيرهم من الجيل الجديد يدفعون العجلة تجاه حركة الزمن نحو الاستقلالية وقبول الآخر والحقوق وتعاطي العقد الثقافية بالدراسة والنقد رغماً عن كل العقبات المفاهيمية، والتهديدات المتناوبة من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وها هو الزمن ينصفهم يوماً بعد يوم. وإن أي مجتمع يتطلع إلى القوة (الحرية والمساواة والعدل) وإلى أن يكون جزءاً فاعلاً من العالم يحتاج لمؤسساته المدنية، لكنها ليست الشرط الوحيد لتحقيق كل ما سبق”.

يحترس محمد آل حمادي (وهو من مواليد أبها 1985) من الانشغال بملف الربيع العربي وتداعياته، ويجدها ليست أكثر من كونها سيرورة تدفع نفسها بنفسها. ويرى أن “صورة فوتوغرافية واحدة في صدر إحدى الصحف قد تقوم مقام الكثير من النصوص التي قد تُكتب عن الربيع العربي، ناهيك عن القنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك نبض شوارع الربيع العربي كانت تقول أكثر مما يقوله الأدب، أحاول أن أكون متجاوزاً لكل ما هو حتمي التحوّل، وليس بغريب أن مثل هذه المحاولة غالباً ما تكون محكومة بالفشل”.

15