صورة مصر كما رأتها الرحالات الأوروبيات

يعد أدب الرحلة الذي تكتبه النساء أكثر قدرة مما يكتبه نظراؤهن على تتبع ملامح الأمكنة في أدق تفاصيلها، إضافة إلى رصد مظاهر الحياة الخفية بأعين النساء المشغولة دائما بالتفاصيل الصغيرة والمهملة.
الاثنين 2017/03/06
كاتبات تأثرن بسحر الشرق

يقدم الباحث والمؤرخ عرفه عبده علي في كتابه “مصر بعيون نسائية أوروبية” قراءة لرؤية ست عشرة امرأة أوروبية إلى مصر، جئن إليها لأسباب متباينة؛ فمنهن الطبيبات والروائيات والسائحات والصحافيات وباحثات التاريخ والأنثربولوجيات والمعلمات واللائي كن يقصدن الحج إلى القدس، وقد كتبن مشاهداتهن وتجاربهن مع مختلف الناس من مختلف الطبقات وفي العشرات من البلدات المصرية، في مدى زمني يمتد إلى مئة وخمسين عاما خلال القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين.

يتساءل الباحث في كتابه الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عن دوافع هؤلاء الرحالات الأوروبيات وأهدافهن في الشرق العربي ومصر خاصة، سواء أكان ترحالهن مدفوعا بهوس أم بهاجس أم بحثا عن مغامرة فذة، أم جاء بدافع العلم والاستكشاف والسياسة أم غير ذلك؟ ويقر بأنهن في البداية تأثرن بالحكايات والروايات المثيرة عن الشرق الغامض الساحر وبلاد ألف ليلة وليلة.

يرى عبده علي أن الأهداف السياسية تحتل مكانة خاصة لاستكشاف “عالم راكبي الإبل وحاملي السيوف”، ويلفت إلى أن انطباعات أكثر هؤلاء النساء كانت انتقادية في أغلب الأحيان، باستثناء لوسي دف جوردون لطول تجربتها ومعايشتها مجتمع صعيد مصر، فزيارات هؤلاء الرحالات وقرينات القناصل والسائحات، كانت قصيرة وغالبا ما كانت تتسم بسوء فهم متبادل وأحاديث متكلفة عن طريق الترجمة وملاحظات غير دقيقة، غير أن تجربة صوفيا لين بول كانت أكثرهن ثراء فقد حظيت بشرف زيارات متكررة لـ”الحريم العالي” حرم الأسرة المالكة والعائلات الراقية، والاقتراب بشدة من هذا العالم بل ومعايشته لأيام وليال، فكانت أكثر فهما للسلوكيات والعادات والتقاليد، وبالتالي أكثر تقديرا لنساء مصر.

ويضيف الباحث “من الناحية السياسية فقد قامت بعض الرحالات بخدمة بلادهن بشكل فاق قدرات الكثير من الرجال الدبلوماسيين والعسكريين، وعلى رأسهن جيرترود بل، التي لعبت أخطر الأدوار في تاريخ العرب، وبعضهن تركن بصمات واضحة في تاريخ أدب الرحلة. وإذا كانت كتابات بعض الرجال لم تسجل بدقة أحوال البلاد والعباد بل كانت مجرد انطباعات وتفسيرات ذاتية، فإن الرحالات الأوروبيات سجلن انطباعاتهن وآرائهن إلى جانب نقد ما لا يروق لهن واهتمامهن بأدق التفاصيل”.

في حديثه عن سوزان فوالكان يؤكد الباحث أن مذكراتها تعد الأكثر شجنا من بين كل ما كتب في أدب الرحلة عن مصر، يقول “في مذكراتها أطلقت سوزان فوالكان على نفسها ‘بنت الشعب‘ وقد أغنت المكتبة الوطنية في باريس والأكاديمية الفرنسية بهذه المذكرات، والتي اعتبرت وثيقة نادرة لتلك الفترة. وقد بدأت ذكرياتها من الإسكندرية والظروف القاسية للعمال المصريين خلال حفر قناة المحمودية، وترصد مظاهر الشرق على حياة الشعب”.

أما صوفيا لين بول، فيلفت الباحث إلى أنها شقيقة المستشرق البريطاني الأشهر إدوارد لين بول، وعاشت في القاهرة سبع سنوات وأسفرت تجربتها التي خاضتها عن مجموعة من الرسائل نشرتها بعنوان “امرأة إنكليزية في مصر ـ رسائل من القاهرة“.

ويقول الكاتب إن صوفيا أفاضت في وصف الطبيعة المصرية ومناظر النيل خلال رحلتها من الإسكندرية إلى القاهرة. وفيها طافت على حمار بملابسها الشرقية ولم يظهر منها سوى عينيها. أما الليدي لوسي داني جوردون فيشير عبده علي إلى أنها كانت إحدى نجمات المجتمع البريطاني، كان والدها محاميا شهيرا وأستاذا في القانون بجامعة لندن ووالدتها كانت سيدة أرستقراطية تكثر من حفلات الاستقبال، وأنها أفادت من صداقات أمها بكبار الأدباء البريطانيين بالإضافة إلى بعض الفلاسفة ورجال السياسة.

وقال “انبهرت لوسي بفنون العمارة الإسلامية في الجامع الأزهر وفي جامع بن طولون وجامع عمرو بن العاص ومدرسة السلطان حسن درة العمارة الإسلامية، ومشاهد الحياة في القاهرة أعادت إليها مشاهد ألف ليلة وليلة. ثم رحلت إلى الأقصر في يناير من عام 1964 واستقرت في ‘بيت فرنسا’ الذي شيد على ربوة ترتفع خمسين قدما مطلا على النيل”.

ومن الرحالات أيضا إميليا ب. إدواردز وهي وفقا للباحث من أهم المؤرخين المتخصصين في وصل الحلقات التاريخية للنيل، انصب اهتمامها على أطلال الفراعنة ومعابد مصر القديمة، حيث “قامت إميليا بالقياس ورسم الاسكتشات وقامت بالوصف وعددت كل التفاصيل التي يمكن تخيلها، فقد كانت تجتاز مع عروسين في شهر العسل ينطلقان خلال المعابد معا بينما تمتطي إميليا حمارا لمدة 3 ساعات في درجة حرارة عالية لتزور المعبد مرة ثانية.

15