صورتان للإسلام في وعي الغرب

السبت 2015/05/16

“كم هو مروّع ذاك البلاء الذي تلقيه المحمّدية على أنصارها، فإلى جانب الهوس التعصّبي الذي هو خطير على الإنسان خطورة داء الكلب على الكلب، توجد هذه اللامبالاة القدرية المخيفة التي تتبدّى آثارها جليّة في عديد من البلدان على هيئة عادات تتسم بقصر النّظر، وأنظمة زراعية متخلّفة، وطرق تجارية بطيئة، وغياب للأمن يستشري حيثما وجد أتباع النّبي، أو حكموا، أو عاشوا.

ثمّ إنّ هذه الشّهوانية المتردّية تجرّد الحياة من جمالها وفضائل نعيمها، وتحول دون جعلها أكثر تهذيبا ودماثة وطهارة، وبالتّالي، أكثر كرامة. وليس لحقيقةِ أنّ الشّريعة المحمّدية ترى أنّ المرأة -سواء كانت طفلة أو زوجة أو جارية أو محظية- ينبغي أن تنتمي إلى رجل يمتلكها ملكية مطلقة، إلا أن تؤخّر القضاء النّهائي على العبودية حتّى تتوقّف ديانة الإسلام عن أن تكون قوّة عظمى بين البشر… إذ ليس ثمّة من قوّة رجعيّة أقوى من هذه الدّيانة توجد في العالم.

ولو لم تكن المسيحيّة محصّنة بأذرع العلم القويّة؛ العلم الذي ناضلت هي نفسها، عبثا، ضدّه، فإنّ حضارة أوروبا المعاصرة قد تسقط مثلما سقطت حضارة روما القديمة… إنّ الحضارة لمهدّدة بالمحمّدية الجهادية، وإنّ قوى التّقدّم لتصطدم مع تلك القوى التي هي قوى ردّات الفعل. إنّ ديانة الدّم والحرب لتصطدم وجها لوجه مع ديانة السّلام”.

يعود هذا المقتبس المأخوذ عن المجلد الثاني من كتاب حرب النّهر “The River War” (الطّبعة الأولى، الصّفحات 248-250)، إلى الغنيّ عن التّعريف السير ونستون تشرشل، عندما كان جنديا وصحافيا صغيرا في حوالي الخامسة والعشرين من العمر، وهو جزء من خطاب كان قد ألقاه في العام 1899.

واللّافت للانتباه في هذا الخطاب، وفي غيره من أقوال تشرشل وآرائه ذات الصّلة بصورة الإسلام التي ارتسمت لديه قبل أن يشرع هو نفسه في الإسهام في رسمها وتعزيز حضورها على نطاق واسع لدى الرأي العام الغربي طيلة ما يربو على قرن من الزّمان، إنما يتمثّل، في الأساس، في افتقار هذا الرأي إلى ما هو أدنى من الحدّ الأدنى من التّبصّر، وهو الأمر الذي أفضى بصاحبه إلى الأخذ بصورة الإسلام النّمطية الجاهزة التي تبلورت في الغرب الاستعماري خلال فترة الحروب الصّليبية عبر تراسل وثيق مع جذور وامتدادت قديمة، وإلى مواصلة الانخراط في نهج تحريفيّ تضليليّ يتأسّس على أيديولوجيا استعمارية استبدادية عنصرية وغير إنسانية على الإطلاق، وعلى أفكار وتصوّرات ومقاصد وغايات تشكّل منظومة متكاملة ترتدّ في أعمّها الأغلب إلى خلفيات فكرية وسياسية ودينية، وإلى تجذر مقيت لمسألة الإعلاء من شأن الأنا العرقية أو القومية أو الدينية أو حتّى اللّونية “الجنس الأبيض” على حساب الآخر المختلف.

وليست معاداة الإسلام وازدرائه، في ما نحسب، إلا تجلّيا صغيرا من تجليات هذه الأيديولوجية العنصرية الظّلامية العمياء التي يبدو أنها تعاود الظهور والانتشار في العالم المتحضّر وفي مخيال بعض قاطنيه.

وبغية عدم الوقوع في التّعميم الجزافي واللاتبصر والتّحريف، ومع حرصنا على فتح نقاش معمّق وموسّع مع قراء صحيفة العرب حول جميع جوانب هذا الموضوع ومكونات صورة الإسلام المشوّهة في العرب وفي مخيال بعض من يزعمون الانتماء إليه، وذلك في سلسلة مقالات لاحقة، فإننا نشير، هنا وبإيجاز، إلى آراء جديرة بالثّناء والتّقدير، من منظور معرفيّ محض، أبدتها الباحثة البريطانية المقدّرة كارين آرمسترونج، المختصّة في علم اللاهوت، مؤخّرا، فهي ترى أنّ “الإسلام حتّى بداية الحداثة كان أكثر تسامحا بكثير من المسيحية الغربية…

وهناك عنف في الكتاب المقدّس العبري وفي العهد الجديد يفوق ما في القرآن من عنف”، وأنّ “صورة الإسلام المشوّهة هذه قد نشأت في الغرب في نفس الوقت الذي نشأ فيه العداء الأوروبي للسّامية”، كما ترى أنّ فكرة التنوير وإلغاء العبودية اعتبرت حكرا على الأوروبيين، ومع ذلك فإنّ هؤلاء والآباء المؤسّسين للولايات المتحدة الأميركية “لم يتورّعوا عن امتلاك عبيد أفارقة وطرد السّكان الأصليين من القارة الأميركية”.

فهل في آراء هذه الباحثة الرّصينة وما توصّلت إليه من خلاصات ما يضع علامات استفهام كبرى على أقوال تشرشل وآرائه التي تسود الآن في الغرب كما سادت من قبل؟ إننا لنعتقد ذلك، ونتهيأ محفّزين بهذا الاعتقاد لفتح أبواب حوار ثقافيّ إنسانيّ خلّاق بشأن الإسلام: حقيقة موضوعية راسخة، وصور زائفة يجري ترسيخها.

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16