صور السيلفي بطاقات بريدية رقمية غيرت طريقة السفر

تعرضت ظاهرة التقاط صور السيلفي منذ انتشار موضتها للعديد من الانتقادات، لكن لماذا لم يتم اعتبارها مثل موضة البطاقات البريدية التي شاعت بشكل ملفت منذ زمن بعيد؟ فصور السيلفي سجلت نجاعتها وسرعتها في توثيق أهم لحظات العمر بشكل لافت وصل إلى حدّ تغيير طريقة السفر والاستمتاع به.
الخميس 2016/08/25
ذكريات رقمية في متناول الجميع

برلين – ثمة نظرة وهن وتعب في عين السائح، وأخذ يتثاءب بينما كان يقف أمام أحد الآثار. وبتثاقل قام بإنزال حقيبة ظهره خلال ما يبدو أنه يوم طويل من مشاهدة المعالم الأثرية، إنها صورة تجسد الإرهاق. ثم تحدث معجزة، يسحب كاميراته لالتقاط صورة سيلفي وفجأة تغمر السعادة وجهه كما لو كان الكريسماس ورأس السنة الجديدة وعيد ميلاده حلت كلها مرة واحدة.

ويحدث هذا المشهد حاليا في عدد لا يحصى من الأماكن السياحية في مختلف أنحاء العالم، حيث أصبحت الصور الذاتية مثل بطاقات بريدية رقمية.

ولو كان الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي عاش في القرن السابع عشر موجودا في يومنا ما كان ليقول “أنا أفكر إذن أنا موجود” ولقال عوضا عن ذلك “أنا ألتقط سيلفي إذن أنا موجود”.

ويعزو باحثون أسباب تعلق الناس بالحاجة البائسة لالتقاط سيلفي في زمننا إلى عدة تغيّرات اجتماعية ونفسية طرأت على المجتمعات الحديثة.

ويقول الباحث السياحي أولريش راينهارد، الذي يرأس مؤسسة أبحاث المستقبل في هامبورغ “إن التشاؤم الثقافي يعدّ أحد أهم الأسباب التي تجعل من صور السيلفي تضيع الكثير من الأشياء المهمة في حياتنا دون أن ندركها في الوقت المناسب”.

ويضيف “تضيع على الناس مشاهدة الأشياء الغريبة والتي تدعو إلى الضحك لأنهم مركزون بالكامل على أنفسهم. لم نعد نملك ببساطة هبة استيعاب اللحظة”.

ويقول أندري فيندلر وهو باحث في ثقافة الإنترنت بجامعة فايمر “السيلفي هو عرَض لتغيّر أسلوب السفر”. ويضيف أن هناك أثرا متبادلا بين التكنولوجيا والسلوك الاجتماعي.

ويشعر أبناء العصر الرقمي اليوم بأن توثيق اللحظات اليومية المهمة أو البسيطة في حياتهم ممكنة فعليا، لذا يقبلون على فعل ذلك بكل سهولة لأن التكنولوجيا توفر لهم الفرصة لتخليد ذكرياتهم أو حتى أبسط تحركاتهم بكبسة زرّ.

ويوضح فيندلر “لم تكن البطاقات البريدية موجودة سوى لوجود نظام بريدي. وهذا في المقابل كانت له صلة وثيقة بابتكار السكة الحديدية. واليوم لديك الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وفي المقابل الصور السيلفي التي توزع على نطاق واسع”.

ويرى خبراء في علم النفس أنه لطالما كان الإنسان يصبو إلى الاعتراف، وجاءت صور السيلفي لتحقق له ما يريد. فقيام المرء بعرض على أصدقائه أنه كان يقضي إجازة رائعة وأنه كان سعيدا للغاية هو شيء لطالما أراد الناس فعله.

وتقول استريد كارولوس وهي اختصاصية نفسية إعلامية في جامعة فورتسبورغ “إذا تحدثنا من الناحية النفسية فنحن لم نتغيّر، في الماضي كان الأفراد يجلسون بعد أيّ عطلة من أجل أمسية لمشاهدة شرائح الصور. واليوم يمكن للأشخاص أن يصنعوا عرضا مباشرا على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وتضيف “بالتالي ما هي إلا مسألة اختلاف الوسائل المستخدمة آنذاك والآن. ولكن الدافع يظل واحدا”.

وتقرّ كارولوس أن وجهة نظر الأشخاص في عطلاتهم تغيّرت في ظل الرغبة المستمرة في التقاط صور سيلفي رائعة. وتقول “لكن ليس صحيحا مطلقا أن الأشخاص الذين يحملون هواتف ذكية يشاهدون أقل ممن ليس لديهم مثل هذه الهواتف. إنها ليست بالضرورة وجهة نظر سيئة، ولكن بالأحرى مختلفة”.

ومثلما كان المصورون الفوتوغرافيون ومصممو البطاقات البريدية يبحثون عن مناطق مذهلة لالتقاطها من زوايا مميزة وإخراجها في قالب جذاب، يبحث مستخدمو الهواتف الذكية اليوم عن صور سيلفي نادرة لإرسالها إلى الأصدقاء والأهل تماما مثل البطاقات البريدية في الماضي، حتى لا يفوّتوا فرصة مشاركتهم التمتع بجمال تلك المناظر الخلابة.

24