صور السيلفي تكشف أسرار المرأة المخفية

الصور الذاتية يمكن أن تكون مؤشرا واضحا على الحالات النفسية التي تتعرض لها النساء.
الاثنين 2019/08/19
السيلفي يكشف أكثر مما تعتقده النساء عن أنفسهن

تشير العديد من الدراسات إلى أن النساء يشكلن النسبة الأكبر التي تلتقط صورا ذاتية مقارنة بالرجال. ويتمثل الهدف الأكبر لمعظم النساء من التقاط صور السيلفي في الرغبة في أن يكن محط أنظار الجميع، ما قد يشعرهن بالرضا والارتياح حيال أنفسهن. إلا أن ذلك قد يدخلهن في دوامة من المقارنات مع بنات جنسهن ويفقدن الثقة في أنفسهن. وبشكل عام تعد صور السيلفي إحدى سمات أبناء العصر الحالي في ظل اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر ونشر المعلومات الفورية والتلاعب بالمشاعر والمحاولات المتواصلة لإثارة إعجاب الآخرين ما جعل الخبراء يعتبرون صور السيلفي لغة جديدة تتحدث عن أصحابها وتكشف أسرار سلوكياتهم وحالاتهم النفسية.

تلتقط معظم النساء الكثير من صور السيلفي لمشاركتها على حساباتهن في مواقع التواصل الاجتماعي، وجميعهن لا يفصحن صراحة عن الغاية التي التقطن من أجلها تلك الصور، لكن الصورة الواحدة يمكن أن تكشف أكثر مما يعتقدن عما يدور في عقولهن وفق ما يقول الخبراء.

ورغم أن الصور لا يمكن أن تكون الوسيلة المثلى لدراسة سلوكيات النساء، إلا أن النتائج التي توصل إليها الباحثون في هذا المجال تؤكد صحة مقولة “الصورة خير من ألف كلمة”.

ويرجح الخبراء أن الصور التي تلتقطها النساء لأنفسهن، من شأنها أن تعطي صورة مقربة لما يدور في أذهانهن، لذلك لا غرابة في أن يعكف الخبراء على دراسة تلك الإشارات للكشف عن البعض من الأسرار الخفية لحياة النساء الشخصية.

وتبدو النتائج التي توصلت إليها الأبحاث محصورة في إطار المكان والزمان والبيئة والظروف المحيطة التي أجريت فيها الدراسة، ولا يمكن تعميمها على كل الحالات والمجتمعات أو على كل النساء، إلا أنها ترجح أن النساء اللاتي يشعرن بالخوف أو القلق يلجأن إلى التقاط المزيد من الصور لجذب الانتباه لأنفسهن، بينما تروج الكثيرات من ذوات الميول النرجسية لإنجازاتهن بالصور الذاتية.

وتشير الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة إلى أن النساء أكثر هوسا بالتقاط الصور لأنفسهن، حيث يقضين نحو خمس ساعات أسبوعيا في أخذ صور السيلفي، وذلك من أجل إبراز جمالهن للاستعاضة عن بعض مشاعر النقص التي تكمن داخلهن.

تأثير السيلفي

استخدم علماء النفس صور السيلفي التي تلتقطها النساء لمعرفة كيف يمكن أن تكون الصورة أحيانا مؤشرا واضحا على حالات الصعود والهبوط التي تتعرض لها النساء.

وفي هذا الشأن حلل باحثون أستراليون أكثر من 68 ألف صورة شخصية، أو سيلفي، ذات طابع مثير ومنشورة على موقعي إنستغرام وتويتر للتواصل الاجتماعي في 113 دولة في العالم.

كما بحثوا خاصيات الأماكن التي يتم فيها التقاط معظم صور السيلفي في العالم. ووجد الباحثون ارتباطا مباشرا بين انتشار صور السيلفي المثيرة وبين التفاوت في الدخل، إذ يغلب طابع الإثارة على صور النساء اللاتي ينتمين إلى بيئات تنعدم فيها المساواة بين المرأة والرجل وينشغل الناس بالمكانة الاجتماعية النسبية.

وقالت خانديز بليك الباحثة المشرفة على الدراسة من جامعة نيو ساوث ويلز “الأمر كله يتعلق بكيفية تنافس النساء والسبب وراء تنافسهن”.

الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة تشير إلى أن النساء أكثر هوسا بالتقاط الصور لأنفسهن، حيث يقضين نحو خمس ساعات أسبوعيا في أخذ صور السيلفي من أجل إبراز جمالهن للاستعاضة عن بعض مشاعر النقص التي تكمن داخلهن

وأضافت بليك “من المرجح أن تستثمر النساء الوقت والجهد في نشر صور سيلفي مثيرة على الإنترنت في الأماكن التي يتزايد فيها التفاوت الاقتصادي، وليس في الأماكن التي يتمتع فيها الرجال بقدر أكبر من القوة المجتمعية وينتشر فيها عدم المساواة بين الجنسين”.

وتعد الأدلة الحاسمة حول تأثير صور السيلفي على الصحة النفسية للمرأة محدودة بعض الشيء. لكن بعض الدراسات أظهرت أن الأنشطة المرتبطة بالصور، مثل تصفحها على إنستغرام أو نشرها، تمثل مشكلة خاصة إذا ما كان الأمر يتعلق بتكوين المرأة أفكارا سلبية عن صورة جسدها.

وفي عام 2018، قام باحثون من قسم علم النفس في جامعة يورك في مدينة تورنتو الكندية بفحص سلوك التقاط صور السيلفي ونشرها على شبكة الإنترنت لدى 110 من الطالبات اللاتي تم اختيارهن عشوائيا -واللاتي تتراوح أعمارهن بين 16 و29 عاما- وكانت لديهن حسابات نشطة على موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وإنستغرام.

وطلبت الباحثة المساعدة، جينيفر ميلس، من الطالبات أن تلتقط كل منهن صورة لنفسها باستخدام جهاز “آي باد” ثم تنشرها على حسابها في فيسبوك أو إنستغرام. وقُسمت العينة إلى مجموعتين، لم يُتح لأفراد إحداهما سوى التقاط صورة واحدة وتحميلها كما هي دون التعامل معها بأي برامج تحرير، بينما لم يُقيد عدد الصور المسموح به لمن هن في المجموعة الأخرى، بل وأُتيح لهن تحرير ما تم التقاطه باستخدام أحد التطبيقات المخصصة لهذا الغرض.

ووجدت ميلس وزملاؤها من الباحثين أن النساء اللاتي التقطن صورا ذاتية شعرن بأنهن أقل جاذبية وثقة في أنفسهن بعد تحميل صورهن على حساباتهن الشخصية، مقارنة بما كن يشعرن به وهن في بداية التجربة.

وقد شمل ذلك حتى النساء اللاتي سمح لهن بتحسين صورهن كما يحلو لهن.

وكتب العلماء في الورقة البحثية، التي نشرت في موقع “بادي إيماج”، أن “هذه أول دراسة تجريبية تظهر أن التقاط صور السيلفي ونشرها عبر الشبكات الاجتماعية يسببان آثارا نفسية سلبية على النساء”.

وتقول ميلس إن الأمر هنا يتمثل في أن يشعر المرء بمشاعر متقلبة على نحو حاد بين صعود وهبوط، تبدأ بإحساسه بالقلق حيال ردود الفعل على صورته، قبل أن يتلقى تطمينات من الآخرين بأن مظهره يبدو فيها على ما يرام.

لكن هذه الطمأنينة لا تستمر غالبا إلى الأبد -كما تقول الباحثة- وعندها يلتقط الإنسان صورة ذاتية أخرى، وهكذا دواليك.

ويبدو أن هناك علاقة ارتباط وثيقة بين المخاوف التي تراود المرأة بشأن صورتها الجسمانية والصور التي تنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وفق ما أظهرت مراجعة منهجية أُجريت لـ20 ورقة بحثية نشرت في العام 2016.

ومن بين الدراسات التي أُجريت في هذا الصدد دراسة شملت 227 طالبة جامعية، أشرن إلى أنهن نزعن -وهن يتصفحن الصور على فيسبوك- إلى اعتبار مظهرهن أقل جمالا من ذاك الخاص بأقرانهن أو النساء الشهيرات. لكن ذلك لم يمتد إلى النساء اللاتي يمتتن لهن بصلة قرابة.

وتبين أن النساء اللاتي أثرن لديهن المخاوف الأكبر من نوعها بشأن مظهرهن، هن عبارة عن معارفهن أو أقرانهن اللاتي لا يرتبطن بهن بصلة وثيقة.

مواساة للنفس

التقاط صور السيلفي يستهدف تحسين مستوى الرضا لدى الأشخاص
التقاط صور السيلفي يستهدف تحسين مستوى الرضا لدى الأشخاص

في عام 2017، نشرت إيمي سليتر -أستاذة مساعدة من جامعة ويست إنغلاند بمدينة بريستول البريطانية- دراسة عرضت فيها على عينة مؤلفة من 160 طالبة جامعية صورا من هذا النوع أو اقتباسات تنطوي على مواساة للنفس وتشجيع أو مزيج ما بين الاثنين، وكلها كانت مأخوذة من حسابات حقيقية على إنستغرام.

وتبين أن من عرضت عليهن الصور وحدها كن أقل شعورا بالتعاطف مع أنفسهن، أما أولئك اللاتي أُطلعن على اقتباسات تتضمن تشجيعا لهن -من قبيل “أنت مثالية مهما كانت الشاكلة التي تبدين عليها الآن”- فقد كن أكثر تعاطفا مع أنفسهن، وكانت لديهن مشاعر إيجابية بشكل أكبر حيال أجسادهن.

وفي بحث مماثل نشر في العام 2017، وجد الباحثون أن المرأة تقضي على الأغلب وقتا طويلا لالتقاط صور ذاتية على أفضل وجه ممكن، وربما يمثل ذلك مؤشرا على أنها تكافح لكي تشعر بالرضا عن نفسها.

ورغم كل ذلك، لا تزال هناك ثغرات كبيرة تشوب الأبحاث التي تتناول السيلفي وعلاقته بالصورة التي تكونها المرأة عن ذاتها.

لكن الإدمان على التقاط الصور الذاتية ليس سلوكا مقتصرا على النساء فقط، إذ يعد إدمان صور السيلفي واحدة من المميزات الكثيرة لأبناء العصر الحالي الذين نشأوا على التطور التكنولوجي وازدهار شبكات التواصل الاجتماعي في الفضاء الافتراضي، ما خلق نوعا جديدا من التواصل والعلاقات الاجتماعية.

وقالت المحللة النفسية إلسا غودار “نحن فعلا في مجتمع الصورة الزائلة”، و”صور السيلفي تعكس انبعاث لغة جديدة مفعمة بالعواطف”.

ومع اجتياح الصور الذاتية شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، أصبحت -بحسب ما قال المحلل النفسي البرازيلي كريستيان دانكر أستاذ علم النفس في جامعة ساو باولو- “توفر لنا تواصلا مع عدد من الأشخاص أكبر بكثير مما كان قبلا”.

وتقول أخصائية علم السيميائيات بولين إسكاند غوكييه فتشير إن “المنطق وراء صور السيلفي يقوم قبل أي شيء على إيجاد أو تعزيز الرابط مع المجتمع أو المعجبين في حال كان الشخص مشهورا أو مع المواطنين في حالة الساسة”.

ويستهدف التقاط صور السيلفي تحسين مستوى الرضا لدى الأشخاص، حيث تلتقط عادة في وضعيات تثير إعجاب المتفرج أو المتابع، مثل التصوير خلال ممارسة هواية الغوص. وتتيح تقنية صور السيلفي للأشخاص التحكم الكامل في صورتهم.

وتفسر إلسا غودار صاحبة كتاب “أنا ألتقط صور سيلفي إذا أنا موجود” مسألة الذاتية التي يبرزها الأشخاص خلال التقاطهم صور السيلفي، بأن “هذه ليست إشكالية نرجسية إذ أن البعض من النرجسية أمر إيجابي للغاية، لكنها مسألة أنانية تتعلق بالإفراط في تقدير الذات”.

ويتغذى هذا التقدير المفرط للذات من السعي لحصد أكبر عدد من علامات “الإعجاب” على الصور كما أنه غالبا ما يكشف بعض مكامن النرجسية لدى الأشخاص.

وترى بولين إسكاند غودييه أنه “كما في كل ظاهرة ثمة تبعات سلبية”، إذ أن بعض الأشخاص يدخلون في حال من “التبعية لنظرة الآخرين لهم”، من خلال إدمانهم على السيلفي.

كما يتيح البعض من التطبيقات تغيير ملامح الوجه بهدف إزالة التجاعيد مثلا للتناسق مع المعايير الجمالية السائدة في عالم اليوم. ويقول دانكر إن صور السيلفي “تمارس ضغطا مستمرا على الأشخاص ليبقوا أكثر حرية وسعادة مما هم عليه في الواقع”.

12