صور الشبكات الاجتماعية تغير وجه الكوارث والحروب

على الرغم من التغطية المباشرة للأحداث والتفاعل الدائم عبر الشبكات الاجتماعية، لا تزال الصورة أقوى وسيلة لنقل المأساة. فصور قليلة فقط تستطيع هز الرأي العام العالمي وتجلب التعاطف والمال وقد تغير سياسات دول بأكملها، وهذا ما يفسر التنافس على هوية الطفل الذي ظهر مرتديا كيسا بلاستيكيا ليتبين أنه أفغاني وليس عراقيا.
الاثنين 2016/02/01
عراقي أم أفغاني.. المعاناة قاسم مشترك

كابول- يبدو أن الصور كلها ليست متشابهة فهناك صور، رغم قسوتها، تتوهج في الذاكرة، وتجلب التعاطف وقد تصنع من قصة قضية رأي عام.

ويبدو أن صور الشبكات الاجتماعية، بات لها نفس تأثير الصور التي يلتقطها العديد من المصورين، الذين كرسوا حياتهم في البحث عن “اللحظة الحاسمة”، رغم أنها في أحيان كثيرة ليست ذات جودة فنية عالية.

وبعد حالة من التنافس على الشبكات الاجتماعية عن هوية طفل صغير كان يرتدي قميصا بلاستيكيا بألوان المنتخب الأرجنتيني يحمل رقم نجم فريق برشلونة لكرة القدم ليونيل ميسي، تبدد الغموض أخيرا وتبين أن الصبي، هو طفل أفغاني الجنسية، يبلغ من العمر خمسة أعوام، واسمه مرتضى أحمدي وليس عراقيا كما راج على الشبكات الاجتماعية. ويعيش الفتى في منطقة ريفية بأفغانستان، هي منطقة جاغوري في إقليم غزنة، جنوب غرب العاصمة كابل.

وتخضع المنطقة التي يعيش فيها مرتضى لسيطرة حركة طالبان، وفق ما نشرت وكالة الصحافة الفرنسية. ولا يتورع مسلحو الحركة عن منع الشبان من ممارسة العديد من الرياضات الجماعية في المناطق التي يسيطرون عليها.

وكانت تقارير إعلامية نشرت أن صاحب الصورة، التي لا يظهر فيها وجه الصبي، هو طفل من مدينة دهوك في إقليم كردستان العراق، قبل أن تتبين عدم صحة هذه الأخبار.

وبدأت قصة الصورة، التي جرى تداولها على نطاق واسع، حين عمد همايون، 15 سنة، وهو الأخ الأكبر لمرتضى إلى صنع قميص من البلاستيك لشقيقه الصغير بألوان المنتخب الأرجنتيني، ثم نشر صورته على موقع فيسبوك، قبل أسبوعين. وبعدما حققت الصورة انتشارا واسعا، أعلن نجم برشلونة الأسباني ليونيل ميسي رغبته في العثور على الطفل وإهدائه قميصا حقيقيا.

وقال الطفل الصغير لوكالة الصحافة الفرنسية “أحب ميسي، فهو يلعب جيدا. أخي هو من صنع القميص، وهو يعجبني كثيرا”. وتابع “ليس لدينا ملعب كرة قدم. والكرة الوحيدة التي لدي مثقوبة. أريد أن أصبح مثل ميسي عندما أكبر”.

وتعيش عائلة مرتضى في منطقة ريفية نائية، ولم تعلم بقصة الصورة إلا عندما زار والده عارف أحمدي العاصمة كابل. وقال عارف “طلب مني أن أشتري له قميص ميسي، لكنني مجرد مزارع وليس بمقدوري أن أشتري هذا القميص”.

وأضاف “أريد أن يكون ابني لاعبا جيدا في المستقبل ويصبح ميسي أفغانستان”. وكانت تقارير إعلامية سابقة كتبت أن صاحب الصورة هو طفل كردي من إقليم كردستان العراق.

وأعلنت قناة “كردستان 24”، قبل أيام، أنها عثرت على الطفل صاحب الصورة، مؤكدة أن اسمه هومن، وهو من سكان منطقة دهوك. وقالت القناة إن مراسلها نجح في العثور على صاحب الصورة الشهيرة، وأجرى حوارا معه ومع عائلته.

وذكرت أم الطفل في تقرير تلفزيوني نشرته قناة “كردستان 24” باللغة الكردية، أنه بسبب الأوضاع المادية التي يعيشونها لم يستطيعوا شراء قميص يحمل اسم اللاعب ميسي الذي يعشقه الطفل، “فقام هو وأخته بصناعة كنزة كتبا عليها اسم ميسي ورقم 10 من أكياس البلاستيك”.

لكن تبين، في الأخير، أن التقارير التي نشرتها القناة غير صحيحة. واعترف فتى كردي، يعيش في السويد، واسمه روبين هيروري، أنه من زعم أن “عاشق ميسي” طفل صغير من كردستان العراق.

وقال هيروري إنه روج لهذه الشائعة، على حسابه الشخصي في موقع تويتر، لأنه هو نفسه من مدينة دهوك الكردية، وكان يريد لفت الانتباه إليها. وكتب هيروري، لاحقا، على تويتر “هذا هو الطفل الحقيقي. الطفل الآخر التي تنشر صوره حاليا غير حقيقي”.

لاحظ الجميع تشابها في المأساة، فالعائلتان تعجزان عن شراء قميص للصغير المولع بميسي ليكون الفقر القاسم المشترك بين عائلتين لم تعرفا بعضهما أبدا. وفي ظل طوفان الصور، التي تعكس المعاناة والألم، يتعاطف الجميع فقط مع تلك الصور، التي أثارت شفقة فينا، وخاصة لأنها تظهر حقيقة ما يحدث.

ويستدل بعضهم بصور إيلان الكردي، الطفل السوري، البالغ من العمر ثلاث سنوات، الذي مات غرقا في البحر المتوسط، وتم العثور عليه يوم الثاني من سبتمبر على الساحل التركي قرب مدينة بودروم.

صور إيلان أثارت تعاطفا كبيرا وردود فعل كثيرة في وسائل التواصل الاجتماعي لكن الأهم من ذلك هي أنها غيرت النقاش السياسي حول سياسة اللاجئين في أوروبا بشكل جذري.

من جهته يؤمن مؤرخ الفن فيليكس هوفمان بقوة الصور، التي يمكنها، حسب رأيه “أن تؤثر وتغير الفكر والسلوكيات الإنسانية، لكن فقط بشرط أن تظل لوقت طويل وأن تترسخ في أذهان الناس”.

ويقول إن “الصورة تمتلك القدرة على أَنْسنة الكوارث، ومنحها وجها وشكلا معينين، ومن دون هذه الصور لن يستطيع الكثير من الناس استيعاب حجم وخطورة وأبعاد الحرب والكوارث.

إن الصور أصبحت بمثابة رموز تاريخية، على حد قول هوفمان، الذي يضيف “لا يمكن للمرء التذكر متى رأى هذه الصور، لكنها أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية المرئية”.

19