صور المستقبل العربي

السبت 2017/12/30

أذكر أنني قرأت أواخر القرن الماضي كتابا بعنوان “صور المستقبل العربي” تشارك في كتابته أربعة من المتخصصين العرب في حقل الدراسات المستقبلية والتنمية التقنية والاقتصادية، وقد ترك الكتاب في نفسي أثرا جليلا؛ إذ كان الكتاب الأول الذي رأيت فيه توظيفا دقيقا لما يسمّى بأدوات التحليل الكمّي واستقصاء المتغيرات الحاكمة للنشاطات البشرية في شتى حقول النشاط الاقتصادي، وكان من العلامات المؤشرة لأهمية الكتاب وفرادته المميزة أن ظهرت نسخة باللغة الإنكليزية من الكتاب؛ الأمر الذي يشي بأنّ واضعي الكتاب سعوا لمخاطبة العقل غير العربيّ إلى جانب العقل العربي، ومنذ ذلك اليوم وأنا أتابع حقل الدراسات المستقبلية بشغف وحرص.

ثمة، بالطبع، الكثير من الدراسات المستقبلية الموضوعة باللغة الإنكليزية، وقد تُرجِم بعضها إلى العربية، وقد علق بذهني -من بين تلك المؤلّفات- كتاب بعنوان “العالم بعد مئتي عام” صدر ضمن سلسلة كتاب عالم المعرفة في ثمانينات القرن الماضي، وكان كتابا رائعا يتضمّن رؤى استشرافية بشأن أحوال عالمنا البشري، ويمكن الإشارة أيضا إلى كتاب “عالمنا المشترك” الصادر ضمن نفس السلسلة وهو من منشورات منظمة الأمم المتحدة للبيئة ويركّز- كما هو واضح من عنوانه- على الجوانب البيئية المرتبطة بالنشاطات البشرية وتأثيرها المتوقّع على كوكب الأرض في العقود القادمة.

تعاني بيئتنا العربية مشكلات هيكلية مزمنة تتطلّب عملا دؤوبا لتخفيف آثارها في حياتنا الراهنة فضلا عن آثارها المتوقّعة في العقود القادمة والتي من المتوقّع أن تشهد تفاقما خطيرا يتطلّب العمل بحكمة وصبر وبطريقة توظّف كلّ الوسائل الكمّية المتاحة بعيدا عن العصبيات والعواطف السيّالة والانحيازات المسبقة غير المجدية.

تتجذّرُ أصول المشكلات الهيكلية العربية في اعتماد اقتصاديات معظم بلدانها على الريع النفطي، أو في شحّة السيولة المالية في بلدان أخرى، وقد ترتّبت على هذه الهيكلية الاقتصادية اختلالات عميقة صار الفرد العربيّ بنتيجتها يميل للركون إلى الدعة والاسترخاء والاعتماد على التوظيف الحكومي الواسع الذي يستفيد من الفوائض المالية النفطية في سلسلة مشتبكة يرى بعض المخدوعين أنها ستستمرّ إلى ما لانهاية؛ وهو الأمر الذي يقترب من خواتيمه بعد أن شهدنا في السنوات القليلة الماضية تطويرا ثوريا لمصادر الطاقة المتجدّدة ووضع خطط عملاقة لتصنيع السيارات الكهربائية على نطاق واسع، ولا ينبغي تصوّر الأمر على أنّه نكاية أو رغبة مرضيّة في الانتقام من البلدان النفطية التي تنعّمت بعوائد مالية ضخمة لعقود طويلة؛ بل إنّ الأمر لا يعدو استجابة براغماتية مطلوبة للتعامل الجاد مع حالة فرط الاحترار الأرضي التي باتت تهدّد الحياة البيولوجية على كوكبنا.

ثمة أمر آخر عظيم الأهمية يختصّ باقتصاد المعرفة وضرورة تخصيص نسبة مالية محترمة من الإنفاق الحكوميّ العام للنهوض بالقطاع التعليمي الذي يعوّل عليه في خلق كفاءات بشرية تجيد التعامل مع الفعاليات التقنية-الاقتصادية المستقبلية التي ستحمل لواء البشرية في الفتوحات المعرفية الخلاقة وحيث لن تكون ثمة حكومة تعتمد الفوائض الريعية في الإنفاق على مجالات توظيف غير منتجة.

ليس المستقبل العربيّ مظلما أو كئيبا كما قد يتغنّى بعض المسكونين بالخيبة والرغبة في إطفاء شعلة الأمل والعمل الجاد لتغيير الواقع؛ لكنّ الأمانة تقتضي أن نقول إنّنا خسرنا الكثير من الفرص ولم يبقَ لنا الكثير لنخسره في سياق سباق عالميّ لن يكون أي مكان فيه للمتخاذلين أو المرتكنين على أنساق متهالكة ثبت عجزها وبطلانها.

كاتبة عراقية

16