صور النجمات في خريف العمر بين الإساءة والتكريم

أحدث تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي لصورة الفنانة المخضرمة آمال فريد (80 عاما)، وهي تجلس شاردة كما لو أنها نسيت كل شيء في مقهى بالقاهرة، ضجة لم تهدأ حتى الآن. وكشفت الصورة التي اتُخذت لها خلسة عن الظروف المادية والمرضية الصعبة التي تعيشها فنانة كانت ملء السمع والبصر قبل خمسين عاما، وتحركت نقابة المهن التمثيلية لمساعدتها، لكن هذا لا ينفي أن المشهد فتح بابا للسؤال عمّا إذا كان ما حدث يدخل في إطار الإساءة والتشهير، وهل العمر حاكم لقيمة الفنان وظهوره، ومتى يجوز التكريم؟
الخميس 2018/01/11
صورة النجمة لا بد أن تظل ّفي ذاكرة جمهورها

القاهرة - العشرات من النماذج لنجمات عالميات لم يقف السن وتجاعيد الزمن حجر عثرة في طريق ممارستهنّ لحياتهنّ بصورة طبيعية، والاستمتاع بمراحلها المختلفة والنجاح الفني فيها جميعا طالما امتلكن القدرة على العطاء.

والحقيقة أن الصورة المشرقة لنجمات الغرب وحياتهنّ لا مثيل لها على أي مستوى في حياة نجمات السينما المصرية اللائي يعاملن أحيانا بعنصرية وتمييز غير لائقين، بعد أن حولهنّ بعض صناع السينما إلى مجرد منتج له تاريخ صلاحية ليصبحن بعده خارج الاستخدام الفني، إلاّ في أدوار ثانوية وهامشية أو تلفزيونية، يقمن فيها بأدوار أمهات أو جدات بعد أن عجز كتّاب السينما عن التعبير عنهنّ في مرحلة خريف العمر بملامحهن الإنسانية المميزة.

والخريف يضرب حياة النجمات من كل جانب ومن تحاول ألاّ تسقط ورقة نجوميتها فيه لا بد أن يكون ذلك من خلال عمل من إنتاجها أو إنتاج زوجها أو تقبل مضطرة بأعمال تسحب من رصيدها الفني السابق.

وهذا ليس الجانب القاتم الوحيد من الصورة، بل إن فكرة حبس النجمات إنسانيا داخل صورتهنّ الشابة القديمة أشد قسوة عليهنّ من هجر المعجبين لهنّ.

وصورة النجمة لا بد أن تظل ّفي ذاكرة جمهورها بكامل بريقها وحيويتها، ومن تحاول الهروب من تلك الصورة القديمة تصنّف كعجوز شمطاء متصابية أو تواجه صورها كسيدة كبيرة بتعبير مصري شديد الغلظة، وهو “الكِبر عِبر” .

لماذا لم نر فيهنّ يوما نضج الكبر وحكمته وروعته، كجمهور عادي أو كصناع سينما؟ لماذا غضب الكثيرون قبل أيام من انتشار صورة للراحلة شادية في بيتها، وهي مشرقة ومبتسمة ورأوا فيها إساءة بالغة لها؟

ولماذا أيضا أصابتنا صورة الممثلة آمال فريد في أحد مقاهي القاهرة، وهي تعاني من مرض “الزهايمر” بصدمة واستنكار لأحوالها، رغم أن الكثير من كبار السن الأصحاء يعانون من نفس المرض والأعراض؟

الأمر ببساطة أن موهبة الفنانات واحترامهنّ وإنسانيتهنّ من الأمور التي توضع دائما في المقام الثاني بعد صورة وشكل النجمة، فآمال فريد صدمتنا رؤيتها وهي مريضة، لأننا نحبها أكثر في صورة الفتاة التي غنى لها عبدالحليم حافظ في فيلم “ليالي الحب”.

وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة لم تمت وتراب الأستوديوهات على قدميها، لكنها ماتت بعد خمسة عشر عاما من الانزواء المنزلي، وقبله كانت تحرص في آخر أعمالها، سواء في مسلسل “وجه القمر” أو فيلم “أرض الأحلام”، على أن يراها جمهورها من خلف “فلاتر” كثيرة حاولت بها أن تخفي معالم الزمن على وجهها الجميل في كل حالاته.

الراحلة ليلى مراد انسحبت من عالم الفن وهي في السادسة والثلاثين، قبل أن يهجرها ويخذلها جمهورها، وأرعبتها فكرة أن يراها والسنوات بدّلت ملامحها، هذا الرعب الذي جعلها في مرضها الأخير تخفي وجهها وهي في المستشفى حتى لا يراها أحد كسيدة مسنّة، وتحمّلت آلام المرض، لكنها لم تتحمّل قسوة نظرات الناس لها.

الجميع سخر من طلة مريم فخرالدين في سنواتها الأخيرة، وغضبت منها نبيلة عبيد بعد أن قالت إنهما من سن واحدة

وكذلك عجزت الفنانة ماجدة، عن الاستمرار في العمل بعد أن داهمها التقدّم في العمر الذي جعل الجمهور يجافي أفلامها الأخيرة، وهي فهمت الرسالة مبكرا بعد “العمر لحظة” فاعتزلت السينما قبل أربعين عاما.

وتبدو الفنانة نادية لطفي استثناء في الشجاعة يصعب القياس عليه، وهي التي غنى لها عبدالحليم “الحلوة” في فيلم “الخطايا”، حيث تظهر من حين لآخر في بعض المناسبات، لكنها لا تزال بعيدة عن الفن.

ورغم تحلي الفنانة هند رستم بفضيلة الاعتراف بالسن والقدرة على لقاء جمهورها وتجاعيد الزمن على وجهها، إلاّ أنها خشيت أن تظهر على الشاشة بهذه الصورة كي لا تفقد رونق تاريخ فني صنعته بكفاحها، حيث بدأت حياتها الفنية “كومبارس” وكان فيلم “حياتي عذاب” آخر علاقتها بالتمثيل، وهي في الثامنة والأربعين.

النجمات دائما يواجهنّ الجحود من الغالبية، من داخل الصناعة وخارجها، وممّن يعطون الكثير من المبرّرات الواهية لذلك، كأن يقال لا بد أن تحتفظ النجمات بصورتهنّ الجميلة في أعين الجمهور ولا يقتحمن خياله بصورهنّ بعد الكبر.

من هذا المنطلق استهجن الجمهور عودة سامية جمال للرقص وهي في الستين من عمرها، وتعرضت إلى إهانات بالغة ولم يسأل أحد لماذا قرّرت العودة؟

شادية: نظرات قاسية

في حين انتهت حياة تحية كاريوكا وهي تعاني من أزمات مالية عقب سنوات طويلة من عدم العمل نتيجة الكبر وزيادة الوزن. أما سعاد حسني فدفعت حياتها ثمنا لأكذوبة بريق النجمة، فبعد أن تكالبت عليها أمراض العمود الفقري بعد فيلم “الراعي والنساء” ثم العصب السابع وما تبعهما من تغيير كبير في شكلها ووزنها، سقطت في دائرة الاكتئاب، ولم تكن تملك شجاعة مواجهة الجمهور الذي أرادت الاحتفاظ بصورتها عنده كسندريلا دائمة.

وعلى عكس سعاد صمدت مريم فخرالدين أمام ترّهات البريق والخيال الشعبي والذاكرة الجماهيرية ولم ترهبها كلمات الاستهجان لظهورها دون عمليات تجميل في صورها ولقاءاتها التلفزيونية الأخيرة، لأن لقب السيدة العجوز لم يكن يؤرقها، في الوقت الذي كان هذا اللقب يرعب نبيلة عبيد التي استاءت بشدّة عندما قالت مريم عنها إنها في مثل سنها، لأن نبيلة من النجمات اللاّئي يرفضن فكرة مواجهة الجمهور إلاّ في صورة نجمة مصر الأولى التي لا تقبل سوى البطولات المطلقة، ومن هنا كان توقّفها الفني.

وعلى نفس الدرب تسير الفنانة نادية الجندي الملقبة في مصر بـ”نجمة الجماهير” وتسلك بقوة طريق جراحات التجميل، في محاولة للحفاظ على ما تبقى لها من الزمن الجميل، ومن المبشر أن نرى يسرا وميرفت أمين وقد نجحتا في كسر تابوهات الرعب من الزمن والصورة القديمة لهما على الشاشة.

النجمات قد يصبحن قوة مؤثرة في الفن، إذا ما تم منح موهبتهنّ أولوية، ليصبحن وهنّ مسنات مصدر بهجة وأمل، يحدث ذلك عندما يتمّ تخصيص أعمال أعدّت لهنّ، يومها ربما نرى أمهاتنا وجداتنا على الشاشة بشكل إنساني جديد يثري المشهد ويمنح المبدعات نوافذ مؤثرة يطللن من خلالها علينا.

16