صور شخصية

مَن يرسم وجهه هو كمَن يسعى إلى الذهاب بالحقيقة إلى حافاتها، إن كان الرسام القديم ينظر إلى وجهه في المرآة فإن لوحته ستكون مرآة أكثر صدقا من المرآة الواقعية.
الاثنين 2018/03/26
رامبرانت رسم نفسه عشرات المرات

رسم رامبرانت نفسه عشرات المرات، في متحف ركس بأمستردام رأيت صورتيه شابا وشيخا. الهولندي الآخر فنسنت فان غوخ رسم في أربع سنوات عاشها بآرل الفرنسية أكثر من ثلاثين صورة شخصية، في واحدة من تلك الصور نتعرف عليه بعد أن قطع أذنه.

لوسيان فرويد، فرانسيس بيكون وديفيد هوكني الثلاثي الذي رسم كل واحد منهم الآخرين كانوا في أوقات متفرقة قد رسموا أنفسهم أيضا. فريدا كاهيلو شغفت برسم صورها بطريقة استعراضية.

قديما كان الفنانون يستعملون المرآة لينظروا إلى وجوههم من خلالها. سيكون من الصعب أن تنظر إلى منطقتين في الوقت نفسه، المرآة التي تُظهر وجهك واللوحة حيث تعمل عيناك. في حقيقة ما يفعله فإن الرسام لا ينقل ما يراه على سطح المرآة، غير أن المرء يحتاج غالبا إلى أن يتذكر الشكل الذي تظهر من خلاله ملامح الوجه الذي يحمله.

ولا مبالغة في القول إن المرء أحيانا يُفاجأ بوجهه كما لو أنه لم يره من قبل، كما لو أن ذلك الوجه الذي يراه بدهشة هو لشخص آخر لا يعرفه. وهنا يكمن سر لجوء الفنانين إلى رسم وجوههم.

ولأننا في العالم العربي لم نتعرف على الصور الشخصية إلا في ما ندر فقد ظل ذلك العالم غامضا علينا، لسبب ما لم نقترب منه. ربما كان ذلك السبب يكمن في أن ثقافة الاعتراف كانت دائما غائبة من حياتنا، وربما لأننا لم ندرك قيمة أن يرسم المرء وجهه، فمَن يقتني صورة تحمل وجها لشخص آخر؟ ذلك سؤال تبسيطي ينطوي على الكثير من سوء الفهم.

لقد ضيعنا بسبب ذلك الكثير من فرص التذوق الجمالي الرفيع، فالفنان الذي يرسم وجهه بأسلوبه إنما يهبنا فرصة للتعرف عليه وهو في أصدق حالاته وأكثرها توترا وشفافية.

مَن يرسم وجهه هو كمَن يسعى إلى الذهاب بالحقيقة إلى حافاتها، إن كان الرسام القديم ينظر إلى وجهه في المرآة فإن لوحته ستكون مرآة أكثر صدقا من المرآة الواقعية.

16