صور في كتاب حول القاهرة زمن محمد علي مؤسس مصر الحديثة

الجمعة 2014/02/07
إحدى رسومات الكتاب عن القاهرة في القرن التاسع عشر

باريس- “القاهرة كما رسمها الفنانون والمصورون في القرن التاسع عشر” عنوان كتاب جديد صدر مؤخرا عن دار “بيكار” في باريس. وهو كتاب أشرفت عليه الباحثة الفرنسية مرسيديس فولي، ويضم مجموعة من الدراسات حول معماريين ومصورين فوتوغرافيين أوروبيين زاروا القاهرة في القرن 19، وانبهروا بصروحها المعمارية، وبقيت رسومهم وصورهم شاهدة على تحولات المدينة في زمن سلالة محمد علي، مؤسس مصر الحديثة.

كانت زيارة الشرق ومنها الدول العربية من السمات التي طبعت حركة الفنون الأوروبية في القرن التاسع عشر، بحثا عن مصادر وحي جديدة وقيم جمالية مغايرة. منذ تاريخ حملة بونابرت عند أواخر القرن الثامن عشر، كانت مصر من الدول التي جذبت الفنانين بسبب ماضيها العريق وموقعها الاستراتيجي وآثارها التاريخية منذ المرحلة الفرعونية.

ولا بد من التذكير أن الجنرال بونابرت اصطحب معه أثناء حملته العسكرية عددا كبيرا من العلماء والفنانين الذين ساهموا بصورة أساسية في اكتشاف الغرب للحضارة الفرعونية، وقد كانوا متخصصين في مجالات عديدة منها الرياضيات والهندسة والكيمياء والفلك والفنون. أثناء إقامتهم في مصر، قام هؤلاء برسم كل المعالم والصروح التي شاهدوها بدقة متناهية فجاءت الرسوم أشبه بالصور الفوتوغرافية.

عند عودته مع جيشه إلى فرنسا، أمر بونابرت بطبع هذه الرسوم في كتاب سيكون أول قاموس مصور حول الحضارات التي تعاقبت على الأراضي المصرية، وقد استغرق العمل على إنجازه حوالي عشرين عاما وجاء تحت عنوان “وصف مصر” وكان يتألف من عشرين جزءا.

إلى جانب الرسوم التي ضمها كتاب “وصف مصر”، جاءت رسوم المستشرق والمهندس الفرنسي إيميل بريس دفان (1807-1879)، وكان أحد كبار علماء الآثار خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومن أبرز الذين ساهموا في الكشف عن كنوز العمارة الإسلامية في مصر، حيث أقام سنوات طويلة خلال مرحلتين امتدت الأولى من عام 1827 إلى عام 1844، والثانية من عام 1858 إلى عام 1860. كان عاشقا لمدينة القاهرة ولتراثها المعماري، ومن أهم إنجازاته الكتاب الذي يحمل عنوان “الفن العربي” والذي تضمّن رسوما لأبرز الآثار الإسلامية في القاهرة.

تعد هذه الصور وغيرها من الصور والرسوم التي تطالعنا في الكتاب الجديد، شهادة نادرة عن عالم لم يعد موجودا اليوم


وصف مصر


إذا كان اسم بريس دافان معروفا بالنسبة لكل المتخصصين بالعمارة الإسلامية القاهرية، فإن أسماء أخرى لامعة تبقى مجهولة، وهنا تبرز أهمية الكتاب الجديد الذي أشرفت عليه الباحثة مرسيديس فولي.

حيث نتعرف على رسوم لمعماريين عشقوا القاهرة وساهموا في الحفاظ على العديد من كنوزها، ومنهم المجري ماكس هيرز باشا الذي وصل إلى القاهرة عام 1880، وبقي فيها حتى عام 1914.

تقلد مناصب عديدة أثناء إقامته القاهرية ومنها مدير “متحف الفن الإسلامي” عام 1892، ومدير هيئة الحفاظ على الآثار العربية. وبسبب تفانيه في العمل ومساهمته الكبيرة في الحفاظ على الصروح الإسلامية والقبطية في المدينة، حصل على لقب “بيه” عام 1895 وعلى لقب “باشا” عام 1912.

عاش في زمن التحولات الكبرى التي عرفتها القاهرة منذ منتصف القرن التاسع عشر من أجل جعلها مدينة حديثة على الطريقة الأوروبية، ويرجع له الفضل في ترميم مجموعة من الصروح التي تعدّ اليوم من روائع العمارة الإسلامية، ومنها جامع الأقمر الذي يرجع إلى المرحلة الفاطمية، وجامع ومدرسة السلطان حسن، تحفة العمارة المملوكية.


معالم مدمرة


من المعماريين إلى المصورين الفوتوغرافيين ومنهم الفرنسي جول جيرفي كورتيلمون الذي كان عاشقا للترحال ومأخوذا بالشرق، سافر مع زوجته إلى دول عديدة منها المغرب وتونس وتركيا ومصر.

وقد أتقن التصوير الفوتوغرافي مما سمح له منذ عام 1908 بإدخال الضوء والألوان إلى صوره، ومنها تلك التي التقطها في القاهرة، وهي إما للصروح المعمارية كجامع ابن طولون وكان مهجورا في زمنه، أو للشخصيات السياسية المصرية ومنها بورتريه لمحمد بيه فريد.

تعدّ هذه الصور وغيرها من الصور والرسوم التي تطالعنا في الكتاب الجديد، شهادة نادرة عن عالم لم يعد موجودا اليوم، بسبب التحولات الديموغرافية وحركة التحديث وتوسيع القاهرة التي بدأت في القرن التاسع عشر، والتي نتج عنها تدمير لعدد كبير من الصروح التاريخية، وتبلغ حسب الخبراء حوالى ثلاثمئة صرح.

ففي القرن التاسع عشر، لم يكن مفهوم المحافظة على التراث المعماري قد تبلور بعد، وغالبا ما كان يتمّ هدم تحفة معمارية إذا كانت أسسها متهالكة ومهددة بالسقوط، أو إذا كان هناك مشروع لبناء مبنى حديث مكانها يتناسب مع الروح الجديدة للمدينة.
16