صور قاسم سليماني في لبنان شكل آخر من أشكال القمع

حالة الإفلاس التي يعيشها حزب الله وأسياده في طهران ومحاولات التغطية على جريمة تفجير مرفأ بيروت وما خلفته من كوارث تدفعه لشن حرب صور وتماثيل لم يرَ لبنان مثيلا لها من قبل.
الأربعاء 2021/01/06
تمجيد الموت حرب معنوية يشنها حزب الله في لبنان

حزب الله اللبناني، حارس نظام ائتلاف المافيات الطائفية في لبنان والمستفيد الأول من بقائه مع ما أنزل باللبنانيين من ويلات، لا يبخل عليهم بأن يبتدع أشكالا جديدة للقمع من وحي المناسبات الكثيرة التي يحييها.

وفي عز أزمته المركبة التي هي أزمة راعيه الغاصب للسلطة في طهران وأزمة النظام المحلي الذي كان أوقف له أرجلا من قصب في وجه انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول – أكتوبر، ليستمر ولتستمر سيطرته على الوضع في لبنان من خلاله، ها هو يوظف الذكرى الأولى لمقتل قاسم سليماني في ابتداع طريقة جديدة لقمع اللبنانيين وبالأخص، أبناء الطائفة الشيعية في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي جنوبي لبنان والبقاع، وليشن عليهم حربا معنوية واسعة من خلال نشر صُوَر القاتل قاسم سليماني على الطرقات وفي الساحات، ومن خلال رفع تمثال له في ساحة الغبيري المتاخمة للعاصمة بيروت.

وهكذا نرى طريق مطار رفيق الحريري الدولي، البوابة الجوية الوحيدة لقدوم الوافدين إلى لبنان، مزروعة بمئات الصور العملاقة للقاتل سليماني. هذا المشهد يراد منه تأكيد سيطرة النظام الإيراني على لبنان لكل قادم، فهل هذا ما يريده الشعب اللبناني الذي يعيش أصعب الظروف الاقتصادية والمعيشية؟

إن حالة الإفلاس التي يعيشها حزب الله وأسياده في طهران، ومحاولاته التغطية على جريمة تفجير مرفأ بيروت وما خلفته من كوارث على البشر وعلى الاقتصاد سواء من خلال تعطيل التحقيق العدلي في هذه الجريمة، أم من خلال التصريحات التي تسوّقها الجهات الإعلامية والرسمية التابعة له وتدفعه لشن حرب صُوَر وتماثيل لم يرَ لبنان مثيلا لها من قبل. فها هو وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال التابع لحزب الله يصرح في مقابلة إعلامية ويقول “من ماتوا في تفجير المرفأ ماتوا قضاء وقدرا”. فضجّت وسائل التواصل الاجتماعي استنكارا وإدانة، إذ أن مثل هذا الادّعاء الذي يستبق نتائج التحقيقات ويواكب تعليقها لا يراد منه سوى طيِّ صفحة التحقيق ونسيان أن أكثر من مئتي إنسان لهم أهل وأبناء وإخوة وأخوات وأمهات وأصدقاء قد قتلوا في أكبر تفجير إجرامي شهدته المنطقة على مرّ تاريخيها. وأن أكثر من ستة آلاف جرحوا بعضهم لا يزال في العناية المركزة وأن عشرات الآلاف باتوا بلا مأوى.

كتب الدكتور باسل صالح على صفحته في فيسبوك مستنكرا:

حرب الصور والتماثيل التي يشنها حزب الله على اللبنانيين لإخضاعهم ولتعزيز قبضته على الطائفة الشيعية التي خرج معظمها عن طاعته، بدأت بفرض الصمت المطبق على المسؤولين اللبنانيين الذين صدعوا رؤوسنا على مرّ السنوات بشعارات السيادة والاستقلال حيال التصريحات الإيرانية الأخيرة التي لو دققنا في أهدافها لوجدنا أنها موجهة إلى شعوبنا وإلى الشعوب الإيرانية وليس إلى الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، ثم امتدت إلى قبضة الثورة في ساحة الشهداء وسط بيروت لتلصق صورة القاتل سليماني عليها.

وينشر حساب على تويتر:

ليرد الدكتور باسل صالح على هذه الحادثة فيقول:

ولتكتمل الصورة، تأتي الاحتفالية التي أقامها حزب الله على حدود فلسطين المحتلة ورفع صورة عملاقة للقاتل سليماني لتقول للبنانيين “الأمر لي”. أما جنود الاحتلال، فما من شك أنهم باتوا ليلتهم “على إجر ونص” يهجسون بهذا السلاح النوعي المثير للسخرية.

وفي الوقت الذي تعجز فيه القوى المسيطرة تحت حماية حزب الله عن تشكيل حكومة جديدة ويبات أكثر من نصف الشعب اللبناني من دون عشاء، ويتفشى وباء كورونا بشكل مخيف حيث تعجز المستشفيات عن استقبال العشرات من الحالات الحرجة، يطالعنا زعيم حزب الله بخطابات وتصريحات من عالم آخر، عالم لا يربطه بحياة اللبنانيين وهمومهم ولا بالكوارث الاقتصادية والمعيشية والصحية التي يعانونها أيّ رابط.

وفي ذلك تساءل الدكتور فؤاد سلامة يقول:

“ما معنى كلام أمين عام ح.ز.ب الله: حتى لو حاصرتونا في قطعة أرض صغيرة نحنا اللي منشعر فيه، لتعرفوا مين عم تقاتلوا ومين عم تحاصروا، نحنا منشعر أنو ما محاصرين، نحن معنا الأرض والجبال والوديان والتراب والأنهار والبحار والمحيطات والسحاب والرياح والشمس والقمر والنجوم والسموات السبع والملايكة وما خلق ممّا نعلم وممّا لا نعلم ونشعر أنكم أنتم محاصرون، الولايات المتحدة وعظمتها محاصرة أعداءنا كلهم محاصرين مش نحنا المحاصرين..”.

هل هذا كلام شعري أم كلام سياسي؟

هل هذا يراد به رفع معنويات الناس بعد أن انهارت معنويات البلد؟

هل يطعم هذا الكلام الناس خبزا؟

أم أنه بالنسبة إليه لا قيمة للخبز، وما يهمّ هو الشهادة؟

تمجيد الموت.. عزلة عن آلام الناس وحاجاتهم ومعاناتهم.. غربة عن واقع البشر.. عدمية ما بعدها عدمية..”.

قد نتفق مع الدكتور سلامة وقد نختلف حول عدمية هذا الخطاب، ولكن علينا أن نتحقق من الجهة التي يتوجه إليها لندرك أن مثل هذا النوع من الخطاب السياسي بات مطلوبا أكثر من أيّ زمن سابق للضغط على ما يفترِض نصرالله أنهم البيئة الشعبية التي لا ينبغي أن تنفضَّ من حوله، لكنها تنفضُّ بالفعل، وهذا ما لمسناه في البقاع حيث أُحرقت صورٌ للقاتل قاسم سليماني في قلب المنطقة التي يسيطر عليها الحزب بالتشبيح والضغط والترهيب والزبائنية.

لم يبق لحزب الله والمحور الذي ينتمي إليه سوى التهويل بالحرب والتهديد بها حتى لو كان سلاحه صورة هنا أو تمثال هناك، غير أن سلاحه الفعلي الذي يُجهد نفسه في الحفاظ عليه هو الناس، البيئة الاجتماعية الحاضنة التي عليها أن “تُستشهَد” كي تبقى تحت سيطرته. لكنها، وهذا ما سيدركه حسن نصرالله ولو متأخرا، بيئةٌ تعشق الحياة وترفض الموت وتزدري ثقافة الموت التي ينادي بها.

9