صور قلميّة عن صناع الحياة اليومية في مصر على مر العصور

قد تغيب العديد من الأسماء التي كانت فاعلة في تاريخ الشعوب، وكذلك قد تنسى أو يتم تجاهلها، وذلك بإسدال الستار على أشخاص كانوا مهمين وأصحاب إنجازات، إلا أن البعض من الكتّاب آثروا تذكرهم، وذلك بتوثيق أعمالهم وأفضالهم، حتى يعرفهم الجيل الحالي، وحتى تتم إعادة الاعتبار لهم وذلك عن طريق التعريف بهم وبأعمالهم والتركيز على ردّ البعض من الجميل، وإعادتهم إلى دوائر الضوء من جديد.
الاثنين 2017/02/06
وجوه خارج دائرة الضوء (لوحة للفنان نذير إسماعيل)

القاهرة- يتناول الكاتب والروائي المصري عمر طاهر في كتابه “صنايعية مصر: مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث” البعض ممن ساهموا في رسم ملامح مصر وتاريخ حياة سكانها، دون أن يحصلوا على نصيبهم من التقدير والمحبة والاعتراف بالفضل.

نقرأ في “صنايعية مصر” فصولا مدهشة عن أكثر من 30 شخصية أثرت في حياة المصريين، من مخترع كولونيا 555 وسجائر كليوباترا وشوكولاتة كورونا إلى مهندس برج القاهرة وصاحب فكرة هدم خط بارليف بالمياه في حرب أكتوبر 1973.

مرجع مهم

الكتاب تأريخ مفصل بمعلومات موثقة في إطار من السرد التشويقي يدفعك إلى أن تختم الكتاب في جلسة واحدة

يعود عمر طاهر في كتابه، الصادر عن دار “كرمة للنشر والتوزيع”، في القاهرة، إلى فترات ليست بالقصيرة من تاريخ مصر، ليذكر لنا العديد من الشخصيات البارزة التي ساهمت من مواقعها في بناء مصر الحديثة، هذه الشخصيات لم تكن جلّها معروفة عند الجيل الحالي، وهذا من فضائل هذا الكتاب الذي غاص في عملية استقصائية، رغم ندرة المعلومة وشحّ المصادر، في سنوات كانت مفصلية، حيث نجد اسم المشرف على بناء مجمع التحرير، والقائم على تشييد مسجد القائد إبراهيم، ومهندس برج القاهرة.

والحقيقة أنه من الصعب جدا أن تجلس لتستمع إلى شخص يحكي لك 32 قصة مختلفة عن أشخاص لم تعاصر منهم إلا القليل، لذلك يمكن لكتاب “صنايعية مصر” أن يصبح مرجعا مهما وموجزا لعدة شخصيات لم تتكرر حتى الآن.

وفي هذا السياق، تقول الصحافية المصرية هالة منير بدير “هل كنت تتساءل عن مغزى صورة الغزالة على مغلف شوكولاتة كورونا”؟ مؤكد أن الإجابة ستكون حاضرة في ذهنك مع أول قالب كورونا تأكله بعد قراءتك لكتاب ‘صنايعية مصر’، أنت الآن تنظر بثقة إلى تلك الغزالة التي بدَّد عمر طاهر التساؤل المثار عنها”.

وتكتب بدير “كتاب ‘صنايعية مصر’ تأريخ مفصل ودقيق بمعلومات موثَّقة في إطار من السرد التشويقي يدفعك إلى أن تختم الكتاب في جلسة واحدة، كيف كان سيتسنى لنا أن نعرف كل تلك الحقائق دون جهد صحافي مخلص خارق، بأسلوب أدبي مميز ومحبب إلى النفس كما فعل عمر طاهر في كتالوج الصنايعية؟، كعادة عمر طاهر يضع على ثغرك ابتسامة دون إنذار من خلال هذا الكتاب أيضا، ولكنه تحت مظلة الاحترام، أعاد فيه شيئا ولو بسيطا من شكر وتقدير واعتراف وامتنان بالجميل لمن أخذوا على عاتقهم تطوير مصر في أشد وأصعب الأوقات”.

سرد يوثق لأحداث منسية

عندما تتم إذابة معلومات صلبة في أسلوب كاتب مثل عمر طاهر، فـحينها يتحول العمل إلى ثروة فكرية، ودفعة من الأمل دون سابق إنذار، وهنا لا بد من الإشادة بالحس الصحافي الذي جعله يجري وراء جمع معلومات عظيمة رغم قلة أو انعدام مصادرها الموثوقة ثم يجعلك تفكر في أسماء كل الشوارع التي تمر بها يوميا، بل وتفتخر بأن معظم أسماء الشوارع لشخصيات عملت في ظروف صعبة بكل إخلاص ومنها من استمر ومنها من انتهى بفعل التأميم.

نوستالجيا وطن

من جهة أخرى، يتبع عمر طاهر في عمله هذا، طريقة مزج معلومات تاريخية بنكهة الذكريات السعيدة والأيام الخوالي في أزهى فترات مصر. كل ذلك في إطار من النوستالجيا صممه ورسم كل جوانبه وتفاصيله الدقيقة بريشة عاشق للمغامرة، وللزمن القديم، وللأصالة، وللتاريخ.

والكتاب يقدم للقارئ العديد من الأفكار التي كانت وليدة فترة ما من تاريخ مصر، فتجد فكرة الأمن المركزي التي بدأت بتدريب الجنود على الإسعافات الأولية ومكافحة الحرائق وقت الحرب، حتى انتهت مهمته بإطلاق الرصاص الحي على المظاهرات وإلقاء القنابل المسيلة للدموع، بالإضافة إلى تحويل الإسعاف من سيارة لنقل المصابين إلى مكان سريع للعلاج، وسجائر كليوباترا التي صنعت خصيصا من أجل جمال عبدالناصر، إلى جانب ذكره للعديد من الشيوخ الذين كانوا يقدرون الفن والموسيقى.

والحقيقة أن الكتاب عبارة عن نوستالجيا وطن كامل على مر عدد من الأجيال والعصور. كما لم يخلُ “كتالوج” عمر طاهر من ذكر صنايعية الحكومة المصرية، تجربة المحافظ الذي اعتبر “شغلانة” المحافظ كعمدة البلد يلتف حوله المواطنون يتقبل شكواهم ويقوم بحلها، وعن وزير الداخلية الذي استتب الأمن في عهده بقدر من الحزم والحنكة يقابله قدر أكبر من ضمير، والكتاب مليء بعبارات هؤلاء الصنايعية التي لا بد أن تكون كاقتباسات يتناقلها القراء كنصائح ومحفزات للعمل وعدم الاستسلام لليأس. كما أورد العديد من المعلومات الغائبة عنّا، أو هي تصحيح لمعلومات كانت راسخة في أذهاننا، كأن يذكر أن أغنية “أبجد هوز” وأغنية “عيني بِتْرِف” من تأليف بديع خيري، وليستا لحسين السيد، ويذكر أن “روميو وجولييت” هو أول فيلم مترجم سنة 1946.

14