"صوّروه عشان ما يغيّرونه"

الثلاثاء 2016/02/02

نشر عدد من المواقع الإلكترونية أن طقس المملكة العربية السعودية الجمعة الماضي كان الأكثر برودة، حيث دخل أغلب المناطق السعودية في ذروة الموجة القطبية، والتي تعتبر الأقوى على عدة مناطق منذ سنين مضت، وفي وقت الظهيرة من الجمعة وفي مدينتي “الخبر” التي تقع شرقي المملكة، وصلت درجة الحرارة نحو 14 درجة وبدأت في الهبوط تباعا، في حين أن صديقتي ومن خلال “السناب شات” كانت قد التقطت صورة لمدينة الرياض، وقد وصلت درجة الحرارة فيها إلى 4 درجات، لكن ما حدث في ذلك اليوم وفي المنطقة الشرقية، الأحساء تحديدا، كان أقسى من برودة نشرات الأحوال الجوية التي تم الإعلان عنها لأخذ الاحتياطات اللازمة.

كنت أتناول الغداء مع أسرتي، تغير طعم الغداء منذ اللحظة التي تناهى إلى أسماعنا خبر ما حدث في الأحساء، وهي المنطقة التي تعود إليها أصولي. نفضنا الغداء وركضنا جميعا لمشاهدة الأخبار وقلوبنا جريحة ومنفطرة وكسيرة، لا بد أنه الانتماء الذي يلعب دورا مؤثرا في ركضنا جميعا تجاه غرفة التلفزيون لمتابعة ما حدث في مسجد الرضا بالأحساء. الولاء ليس مجرد لغة، ففي لحظة يصبح هو كل حياتك القادمة، ربما لأننا في الأحساء لا يمكن، وأحب أن أعيد هذه العبارة أكثر من ألف مرة، لا يمكن أن يلحظ الزائر إليها أي من القتامة أو التشويش كما هو الحال في بعض مناطق الخليج نحو الصراع المذهبي أو العقائدي، نحن السنة نسكن متجاورين مع القرى التي يستقر فيها إخوتنا من الشيعة، والرابط الإنساني بيننا وبينهم أقوى من أي صوت آخر، أقوى من كل العبارات التي يقولها الليبراليون والمتعصرنون التغريبيون، ولا بد أن تكون أيضا أقوى من صوت الجهل.

عبر دقائق معدودة نشرت القنوات الإخبارية مقاطع فيديو مصورة لمواطنين لا حول لهم ولا قوة، وهم يحاولون الدفاع عن حياتهم، لم يختف صوت الرصاص، ولم يته صراخ الرجال، الصور جاءت غير متناسقة؛ جسد نائم على بطنه وينزف الدم من كتفيه، الشباب وهم يلاحقون الإرهابيين لكي يتم القبض عليهما، متناسين أهمية سلامتهم الشخصية، فقد كان جل ما يهمهم ألا يكون هناك المزيد من الضحايا والقتلى، وحدي من قررت المضي إلى غرفتي لسبب بسيط، لأنني لم أكن أريد أن ترى أسرتي دموعي التي انهارت دون توقف، فالأحساء وطني وتاريخ قبيلتي، ولن أسمح أن يصيب هذه الأرض ومواطنيها الأكثر طيبة وكرما أي ضرر، أو أن يشتم أهلها رائحة الحقد، لأنهم لا يستحقون أن يعيشوا في مسرح مليء بالجثث والشر.

الأحساء موطن النخيل وعيون المياه الحارة، ولا نريد أن تقع فريسة لفكر متطرف أو تشنج طائفي يدفعها نحو الموت رضاء لمتعطشي الدماء، فالأحساء منطقة عذبة ورقيقة ولا يمكن أن تتسمم بفرضية اللعنة المذهبية التي يحاول البعض إدراجها في تكوين أهلها.

تسيّدت الجماعة الإرهابية “داعش” المشهد المأساوي، والمشهد اللاأخلاقي أيضا، في هجومها على مسجد لإخوتنا الشيعة وهو مسجد الرضا بحي محاسن بمنطقة الأحساء، وحينما تعمد جماعة إرهابية إلى قتل المواطنين وهم في حال من السلام والطمأنينة في دور العبادة عبر حزام ناسف أو إطلاق نار، فيعني ذلك أنها تريد أن تؤسس لإرث جديد من الحقد والبشاعة، وأن العالم مقبل على المزيد من الوحشية والدماء، وفي كل مرة أشاهد فيها واقعة لداعش، أتأكد بما لا يدعو إلى الشك أن هذه المنظمة الإرهابية الضالة تعمل بجد واجتهاد على تكوين صور ذهنية لدى المتلقي حول العالم، لأن يكون حضورها أقرب للاغتصاب النفسي والفكري، وأن يكون تواجدها مغايرا في طريقة العبث وهي مختلفة عن سابقاتها من المنظمات الإرهابية.

ولكن ما هو أقسى من محاولة تفجير مسجد الرضا، من وجهة نظري الشخصية، حينما أعدت سماع الفيديو لأكثر من مرة، وهالني ما قاله أحد الرجال الذين كانوا في الانفجار وهو يطلب بصوت واضح من الحضور تصوير شكل الإرهابي قائلا “صوروه عشان ما يغيرونه”، هذه العبارة ربما نطقها المواطن السعودي دون وعي منه، ربما بسبب رهبة الموقف أو الخوف مما حدث، ولكنها دلالة مفرطة السوء حينما يعتقد أي مواطن عربي قبل أن يكون سعوديا، ويعيش في وطن متعدد الطوائف والمذاهب، أن الدولة يمكن أن تكون شريكة في الإرهاب، وإلا لماذا ستغير الدولة الجاني برجل آخر؟ إلا أنه الفكر العربي الذي لا يزال يعمل على نظرية المؤامرة، والمملكة الآن ليست بحاجة إلى فكر مواطن مرتبك وغارق في المذهبية، لكنها بحاجة أولا وأخيرا إلى أن يكون جميع مواطنيها على اختلاف طوائفهم يدا واحدة، حفظ الله المملكة ودول الخليج كافة من كل شر وبلاء.

كاتبة سعودية

9