صيادو الأخبار الكاذبة

مع اتساع وسهولة استخدام وسائل النشر، انتشرت معها الأخبار والصور الكاذبة وصار بإمكان أي كان أن يغذي وسائل التواصل الاجتماعي بقصص كاذبة ومزيفة من دون رقيب ولا حسيب.
الثلاثاء 2019/04/23
تلاعب مقصود

في زمن واحد ومساحة واحدة يمكن أن يجتمع الخبر الصحيح والكاذب على صعيد واحد عبر العديد من وسائل الانتشار والاتصال الحديثة. نعم، إنه تجاور غريب ورضا وتسامح مع الأخبار والصور الكاذبة وكأنها قد تم تصميمها منذ البداية لغرض طمأنة حاجات محددة لدى الجمهور المستهدف.

في العديد من الانتخابات، ومنها الانتخابات الأميركية وآخرها التركية، يجري بث أخبار تخدم مصلحة كل طرف ويتم طمس عبارات التكهن والتنبؤ بعبارات اليقين حتى تلتبس على المتلقي معرفة ما إذا كان ما يقال صحيحا أو مزيفا. وفي واقع الأمر، تتسع الظاهرة إلى حرف مسارات الجمهور المستهدف وزجه في وسط دائرة مغلقة من الاحتمالات وهي في مجملها تقوم على فكرة تضليل المتلقي.

ومع اتساع وسهولة استخدام وسائل النشر، انتشرت معها الأخبار والصور الكاذبة وصار بإمكان أي كان أن يغذي وسائل التواصل الاجتماعي بقصص كاذبة ومزيفة من دون رقيب ولا حسيب. تشكل هذه الظاهرة تحديا كبيرا واتهاما خطيرا يلاحق منصات التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية وتداولا مثل فيسبوك وتويتر وغيرهما.

قبل مدة اعتبرت لجنة برلمانية بريطانية أن الشبكات الاجتماعية وفي مقدمتها فيسبوك تتصرف كعصابة رقمية تستحوذ على بيانات المستخدمين وتتلاعب بها، وطالبت بإجراء تحقيق مستقل في التأثير الأجنبي والتضليل والتلاعب بالناخبين ومشاركة البيانات.

التلاعب المقصود يمتد إلى مساحة واسعة من نشر الأخبار المفبركة والخاطئة أو السماح بتمريرها وصرف النظر عنها وكأنها ليست موجودة ولا أثر لها وهي مسارات أصبحت تشكل ظاهرة دفعت العديد من دول العالم ومنها المملكة المتحدة إلى الضغط على إدارة منصات التواصل الاجتماعي من أجل اتخاذ إجراءات عملية عاجلة لمعالجة الظاهرة. الإدانة الصادرة من المملكة المتحدة تذهب في تفسير الظاهرة إلى تخفي شركات التواصل الاجتماعي وراء الادعاء بأنها مجرد منصة وأنها غير مسؤولة عن أي محتوى يتم نشره عبر مواقعها.

يبقى التراكم من الأخبار المتدفقة على مدار الساعة كافيا لتشجيع منتجي الأخبار المضللة لكي يزجوا بأنفسهم ويملأوا فراغا صار أمرا واقعا في صحافة وإعلام اليوم وفي منصات التواصل الاجتماعي

ويتساءل البريطانيون مثلا عما إذا كانوا قد تعرضوا لسيل من الأخبار الكاذبة ومحاولات التضليل والتأثير الأجنبي والتلاعب بالناخبين ومشاركة البيانات في استفتاء الاستقلال الاسكتلندي لعام 2014 واستفتاء الاتحاد الأوروبي لعام 2016 والانتخابات العامة لعام 2017 وصولا إلى القضية الشائكة والأكثر دراماتيكية وهي التصويت مع أو ضد بريكست.

الشكوك واهتزاز الثقة صارا يضربان أوساط المستخدمين والمراقبين والحكومات على حد السواء لاسيما بالتزامن مع انتخابات مفصلية وأساسية يؤثر في نتائجها أو المشاركين فيها ما يتم بثه من أخبار كاذبة ومضللة.

في المقابل تعد منصات التواصل الاجتماعي المختلفة ووسائل الإعلام العالمية بأنها ستزيد من مساحة استخدام خاصيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لغرض اصطياد الأخبار الكاذبة والمضللة.

واقعيا ليس هنالك الكثير مما يقال عن حلول سريعة وعاجلة لظاهرة “سبام” التي تتفشى كالوباء في أوساط الإعلام والصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي وليس هنالك صيادون ماهرون بارعون في اقتفاء أثر جميع الأخبار الكاذبة وتقديم منصات نقية ومنزهة من الخبر الكاذب.

في المقابل هنالك من هو مستفيد من الظاهرة ومن هو مستثمر فيها ولكن بطريقة ذكية إذ يتم بث كل ذلك السبام وتداوله ثم يترك للمستخدمين استخدام خاصية الإخبار عن الظاهرة لغرض معالجتها. والسؤال الذي يطرح هنا هو، لماذا يتم بث تلك الأخبار والصور الكاذبة والمضللة أصلا لكي تتم في ما بعد ملاحقتها بالتقارير والتبليغات في آلية عمل غريبة؟

وفي كل الأحوال يبقى ذلك التراكم من الأخبار المتدفقة على مدار الساعة كافيا لتشجيع منتجي الأخبار المضللة لكي يزجوا بأنفسهم ويملأوا فراغا صار أمرا واقعا في صحافة وإعلام اليوم وفي منصات التواصل الاجتماعي التي تقوم بدورها في تعويدنا على الظاهرة والتسامح معها أو انتقادها بصمت.

18