صيادو الكباري يقاطعون ضجيج القاهرة

يشهد صيد الكباري يوميا وجود مجموعات من الصيادين الذين يجلسون بأجسامهم فقط فوق مقاعدهم الصغيرة على الأرصفة، بينما عيونهم تنتمي إلى عالم آخر. فصياد الكباري لا ينتبه حتى لو سمع صوت فرامل قوي أو مشاجرة على الجانب الآخر. إنه هناك في عالمه الخاص، عالم السمك وأحلام اليقظة وانسيابية مياه النيل.
الأحد 2017/03/05
الصبر والانتظار زاد أصحاب الكوبري

القاهرة - يعد صيد الكباري على أرصفة الكباري النيلية العشرة في القاهرة مورد رزق البعض وهواية يمارسها البعض الآخر.

يتجاور صيادو الكباري في مجموعات ويجلسون صامتين أغلب الوقت إلا من ملاحظة عابرة حول انقطاع خيط الصنارة أو تعطل ماكينة الجر الخاصة بها.

ويظل صياد الكباري جالسا لساعات طويلة في أحيان كثيرة من أجل التقاط سمكة لا يتجاوز حجمها أصبع البنصر، لكن الأمر لا يعنيه إطلاقا. ففي أغلب الأحيان يتبرع بما اصطاده لزميله الذي يعتبر هذه الهواية عمله الذي يرتزق منه ليؤمن لقمة عيشه.

وقال محمد قليوبي (30 عاما) ويشتغل في الأعمال الحرة “نذهب أنا وصديقين لي، أحدهما محاسب والآخر محام، بعيدا عن القاهرة، أحيانا إلى الصيادين في مناطق صيد الشبك ونقرر قضاء اليوم في مساعدتهم ثم نعود ظهر اليوم.. الصيد هو متعتنا وهو هدفنا وليس السمك”.

وأضاف “أحيانا نذهب للصيد بالصنارة وبعد أن نقرر العودة نبحث عن أقرب صياد ونعطيه ما اصطدناه إذا لم نقرر تناوله كوجبة غداء في الهواء الطلق”.

وصياد الكباري في القاهرة لا يلفت الأنظار إليه لأنه -تقريبا- أصبح جزءا من صورة الكوبري في عقل سائق السيارة الذي يرى دائما مجموعة من الأشخاص يجلس كل منهم على مقعد صغير وتجاوره حقيبة تحمل مستلزمات رحلته، وجميعهم ينظرون نحو الماء في حالة هدوء تام.

الاقتراب من هذا الصياد وبدء حوار معه ليس صعبا، لكن استكمال الحديث هو الصعب فعلا. فالشخص الذي يجلس كتمثال طوال ساعات لا يستطيع أن يتحدث إلا حول السمك والصيد والطعم (يكون في العادة عبارة عن ديدان البحر توضع في خيط الصنارة ليساعد على لفت انتباه الأسماك وجذبها) وأنواع الصنانير، ولا يلتفت لما يحيط به من عالم موغل في الحيوية ومختلف في دراميته.

أما حقيبة الصياد فتحتوي بشكل أساسيّ على راديو صغير وساندويتشات وبراد شاي وأربعة أكواب ليشارك الزملاء شرب الشاي، وفق ما تحدث به هيثم علي (24 عاما) الذي يعمل موظفا بإحدى شركات المحمول.

وأضاف “يستخدم بعض الصيادين العمود وهو عبارة عن أربعة أطباق من الألمنيوم موصولة ببعضها ويحتفظ فيها بالطعام. وهؤلاء قد يصطادون كيلو سمك لا يتجاوز ثمنه ثلاثين جنيها (خمسة دولارات) يعيشون بها ويأتون للصيد في اليوم التالي”.

ورغم ذلك لا توجد قاعدة محددة لحجم الرزق الذي يمكن أن يعود به الصياد، فالصنارة يمكن أن تغمز (تلتقط سمكة) كل عشرة دقائق تقريباً، ويمكن أن ينتظرها ساعات طوالا يستعرض خلالها في عقله همومه وأفراحه وأحزانه ويغرق في أحلام اليقظة، لكن مجرّد حركة بسيطة للصنارة تجعله ينتبه فورا.

وأضاف قليوبي “اعتقادي أن الصنارة سوف تغمز وأنني سأرى سمكة تحاول الفرار من صنارتي ما يجعلني أنتظر العمر كله وليس ثلاث ساعات فقط”.

بعض الهواة يذهبون إلى الكوبري الأقرب لأماكن إقامتهم، والبعض لا يعنيه إلا وجود السمك. لذا يحب الكثيرون منهم الصيد على “كوبري 15 مايو” وسط القاهرة حيث تنبت على جسم الكوبري الملاصق للماء طحالب تعتبر غذاء رئيسيا لسمك البُلطي الذي يعتبره هدفاً رئيسياً للصياد بالإضافة إلى السلوار أو ما يعرف بالقراميط في مصر.

وفي منطقة الزمالك الشهيرة كان الكوبري يستقبل الصيادين على دفعات مختلفة طوال الساعات الأربع والعشرين، فالبعض يختار أن يذهب مساء ويعود قبل الفجر، وآخرون يذهبون فجراً ويعودون ظهرا. وأصيب الصيد هناك بانتكاسة بعد فرار السمك من أكوام القمامة التي تراكمت بالقرب منه.

ويكتفي هواة صيد الكباري بأنواع قليلة من السمك النيلي، وهي البُلطي متوسط الحجم والسلوار، وبعضهم يصطاد نهاراً فلا يحتاج إلى طعم يوضع في الصنارة من الأصل، وآخرون يستخدمون الطحالب كطُعم أو الديدان.

ولا يمثل صيادو الكباري خطرا على الثروة السمكية في كل الأحوال، فحجم إنتاجهم قليل جداً بالمقارنة بصيادي المراكب وسفن الصيد، وهم لا ينتمون إلى نقابة أو جمعية أهلية من نقابات الصيادين.

24