"صياد الملائكة" حكاية الأضعف في مملكة الأقوى

الروايات تغوص غالبا في العمق الإنساني، نظرا إلى أنها تقوم على بناء شخصيات مختلفة من خلالها تعالج قضايا نفسية واجتماعية وإنسانية شتى. وتبقى الروايات التي تعالج قضايا الاختلاف العرقي والديني في المجتمع ذات نجاح لافت، نظرا إلى ما تقدمه من مكاشفات جريئة مثل رواية “صيّاد الملائكة” للكاتب المصري هدار جرجس.
السبت 2017/02/04
الانطوائية لا تسلم من الإغراء (لوحة فنية لريم سلمون)

فازت رواية هدار جرجس «صيّاد الملائكة» بالمركز الثاني مناصفة، عن فئة الأدباء الشبان في مسابقة ساويرس خلال دورتها الأخيرة. وتعتبر هذه الرواية قصيرة إلى حدّ ما ومحددة في كل شيء بدءا من شخصياتها القليلة؛ حَنّا دميان ووالده، ومنصور صديقه، وصفية الفتاة المومس، وجار حَنّا المدرس وزوجته، والبواب وابنته سعاد التي شاء القدر أن تكون هي الشاهدة على وقائع اليوم الغريب، وأخيرا الراهب الذي يأتي دوره في نهاية الرواية.

ومثل الشخصيات فالمكان مُحدّد أيضا حيث إن الرواية تدور أحداثها في بقعة مكانية لا تتعدى ميدان السوق الذي تحوّل إلى ميدان النافورة أو السمكة، والانتقالات التي تتمّ بين المرسى ودكان منصور ثمّ شقة حنا التي تقع فيها الواقعة، ثم قسم الشرطة الذي هو قريب من البيت ويمرّ عليه حنا في ذهابه وإيابه، وبالمثل فالزمن الذي لم يتجاوز اليوم الواحد، حيث يوم الإجازة الذي يعود فيه حنَّا من عمله، ويتمّ إغراؤه من قبل صديقه منصور بممارسة الجنس مع صفية.

الآكل والمأكول

تنقسم الرواية، الصادرة عن المركز العربي، إلى خمسة أقسام هي كالتالي “ملائكة الشرفة.. وشياطين السطوح” و”المدينة في يوم الغبار” و”الأسد وحكاية الحيوان الأليف” و”الآكل والمأكول” و”الجلجثة”. العناوين في أغلبها توحي بحالة من التناقض، الشيء وضده: ملائكة وشياطين، الأسد والحيوان الأليف. هذه التقنية لا تمر اعتباطا بل لها حضور على مستوى الدلالة، فمشهد البداية حيث رؤية الأبطال الثلاثة، حنّا دميان ومنصور وصفيّة أثناء تجمُّعهم في دكان منصور هو لأسد يفترس إنسانا. هذا المشهد الافتتاحي هو ملخص للمعنى العميق الذي تسير خلفه الرواية في هذه الحكاية البسيطة التي ملخصها كالتالي: علاقة بين مسيحي ومسلمة تنتهي بفضح المسيحى ومعاقبته بالضرب المبرح من الجميع باعتباره الشخص الأضعف.

سعى الكاتب في الحقيقة إلى تأكيد فكرة أن الطرف الأضعف هو المغلوب على أمره، بأن مرّر حكايات رمزية في ثنايا السرد، على نحو ما ذكره حول كيفية القبض على صدام، وأن الأميركان أخرجوه من الحفرة مثل الجرذ، ثمّ مرّة ثانية عندما عاد بالذاكرة إلى طفولته، ومحاولة أصدقائه في المدرسة إكراهه على الدخول في الإسلام، فتكاثروا عليه وهددوه بمسطرة حادة في رقبته بالدخول في الإسلام، لولا المرأة التي قذفتهم بالأحذية من شرفتها. ثم يأتي مشهد الأسد الذي يفترس الإنسان ليختصر حكاية الأضعف في مملكة الأقوى، وهي استعارة على الرغم من أهميتها إلا أنها تعكس فهما للعلاقة المتوترة بين المسلمين والمسيحيين، وتضعها في إطار الاستضعاف، واستغلال المسلم لهذه الصفة، وسعيه دوما إلى الضغط على خصمه.

الكاتب سعى إلى تأكيد فكرة أن الطرف الأضعف هو المغلوب على أمره، بأن مرر حكايات رمزية في ثنايا السرد

المؤلف أراد أن ينتصر للطرف الأضعف كما يرى، فجعل الشخصيات المُسلمة على النقيض تماما من الشخصيات المسيحية، فمنصور ذئب يخطط لاصطياد الفتيات وهو يجلس أمام دكانه، ودبّر حكاية صفية لحنّا، لاستغلال شقة حنّا، أما حنّا “البارمان” فلم يعرف امرأة قط، في كل حياته تقريبا “لم يتكلم حتى مع واحدة إلا وردة زميلته في الجامعة”، هو انطوائي حتى في بيته، منعزل يحب النوم كثيرا، ينام في اليوم نصفه بالضبط، لذا عندما يسأله أحد عن عمره كان يقول “أنا في الثلاثين … لكن عمري الحقيقي خمسة عشر”، حياته ما بين عمله على المركب وعودته إلى شقته التي يسميها “فلك نوح” فهي أشبه بصندوق مغلق، يلوذ بها من العالم الذي ينعزل عنه، فهو يبدو أشبه بمغترب منعزل عمّن حوله، فمنذ طفولته كان يحلم بأن “ملائكة صغيرة حلوة ولها أجنحة حملته وطارت به”.

انطوائية حنّا ظاهرة في ملابسه المغلقة الأزرار حتى الرقبة أمام الناس، لكن في البيت هو متحرّر حتى من القطعة الرقيقة التي تستر عورته، يترك نفسه ليذوب في تلك الراحة ويستلهم منها حكاياته التي يكتبها. بالمثل والده الدكتور دميان، الطبيب البيطري، يعيش كبندول الساعة لا يحيد عن الطريق الذي ارتضاه لنفسه، فهو كثير الندم، يدوِّن أخطاءه حتى يتلوها بيُسر على الكاهن أثناء الاعتراف، رفض الزواج بعد وفاة زوجته، بل كان رأيه قاطعا بـ”لا يمكن وأبدا”.

على العكس تماما من هذه الصفات جاءت الشخصيات المسلمة، فحسين الصديق المبتور القدم، هو منذ طفولته شقيّ وصاخب، وعلى علاقة بسعاد بنت البواب، ثم علاقته بأمه غير سويّة فهو يسبُّها بأقذع الألفاظ، كذلك صفية هي فتاة تحمل شخصية مزدوجة، ترتدي الإسدال لكنها بائعة هوى، وتساوم على جسدها، وبالمثل سعاد ابنة البواب فهي مقهورة ومهددة بالطلاق من زوجها ومغلوبة على أمرها، ظهرت وكأنها من أشعل الفتنة بعدما ارتابت في حنَّا، ثم في صفية. كما أن الجار الذي سقطت لزوجته إحدى قطع الملابس الداخلية في شقة حنا، فعلى الرغم من أن دوره محدود للغاية إلا أن الصورة التي أبرزه بها صورة مقيتة، فهو مرتاب دائما يقذفه “بنظرات الشك في صعوده ونزوله”.

في الحقيقة الرواية لم تقدم معالجة جديدة أو مغايرة لمشكلة الفتنة الطائفيّة في مصر، ولم يلتزم الكاتب الحياد في عرض معالجته للظاهرة، بل عمد إلى تشويه الطرف الآخر كنوع من التعويض له عمّا تعرّض له بطله من امتهان ومعاملة سيئة بعد الحادثة. فهي تعدّ نموذجا لتلك الثيمة السهلة التي يعتمدها الكتاب في إبراز إشكالية العلاقة بين الطرفين: المسلمين والمسيحيين.

الطرف الأضعف هو المغلوب على أمره

كادرات السارد العليم

الشيء المميّز في الرواية ويحسب لها، هو أن المؤلف صنع من حدث عادي بناء سرديّا مائزا فالنص يعمد إلى سارد عليم ليس متحكما في السّرد فقط، بل يقود القارئ إلى دهاليز الحكاية ويخبره بما خفي عنه كذلك، كأن يقول له إن حسين ألقى بالمزهرية على أمه وقد سمع صوت تهشمها، عندما صدّته عن النزول إلى الصيد. كما أن السرد قائم على نظام التقطيع والتفتيت، وهو تقنية مأخوذة من السينما حيث الراوي يسرد حدثا ثم ينفصل عنه، وبعد سرد لقطة جديدة يعود إلى الحدث المقطوع، فالمؤلف يتعامل مع النص وكأنه مادة سينمائية؛ يقدم لقطات منفصلة إلا أنها مترابطة ومنها تكون الحكاية، فهو يسرد عن حسين الذي يودُّ الذهاب إلى الصيد، ثمّ يقطع سرده ويعود إلى حوار جاره من جديد الذي جاء إليه يسأله عمّا سقط من بلكونته بفعل الرياح.

فكرة المونتير وتوزيع المشاهد ليست ظاهرة فقط في السرد، بل نرى الراوي العليم أشبه بسيناريست داخل النص يقدم خطاطة في توزيع المشاهد ووقت حدوثها؛ فبعدما رأى حنّا صفية على المرسى، يبدأ في تقديم السيناريو هكذا “يقول الراوي لا نعرف على وجه التحديد لماذا كانت صفية تتمشى في شارع الكورنيش، لكننا على يقين أن رؤيتها لحنَّا كانت صدفة، حيث يتكرر هذا النوع من المصادفات كثيرا في المدن الصغيرة… وكل ما نعرفه أن صفية لن تذهب إلى منصور مباشرة بل ستقضي بعض المشاوير التي تخصها، مما يُتيح لحنّا أن يصل قبلها قليلا، رغم أنها أوشكت”. ومرة ثانية يعيد سيناريو الأحداث التي ستقع عند صعود صفية إلى الشقة بتصور منصور هكذا “سيحدث ذلك على النحو التالي: يعود حنا إلى شقته وصفية وراءه بينها وبينه مسافة بشرط أن تكون كافية لإبعاد الظنون الشريرة، وبينما يدخل هو بشكل طبيعي، تتسلل هي، بحيث لا يراها أحد، من باب عمارة الخُبرا، وسيترك لها باب الشقة مواربا، حتى تمرق كالسهم…”.

17