صيد "أم الخلول" في مصر كنز ثمين وربح قليل

عشق العمل في عرض البحر وتوارث المهنة أبا عن جد منذ الصغر، مثلا دافعا قويا وراء مخاطرة صيادي محار “أم الخلول” بحياتهم والنزول إلى عمق المياه في بور سعيد والبقاء فيها لأكثر من أربع ساعات غير عابئين ببرد الشتاء القارس ولا بالعواصف الحارقة للعيون بحثا عن الرزق الذي لا يكفي لسد حاجاتهم.
السبت 2016/11/19
لذيذة ومتعبة

بورسعيد (مصر) - محار “أم الخلول” هو حيوان صدفي ينتمي إلى فصيلة الرخويات ويعيش في قلب الرمال على مقربة من الشواطئ، ولا يتعدى حجمه عقلة الإصبع، ويتميز بتوفره على نسبة هامة من البروتين والمعادن الغذائية المفيدة جدا لجسم الإنسان.

ولنحو ساعة كاملة يقف الصياد على شاطئ بورسعيد مترقبا، مرتديا ملابسه الثقيلة، التي لا تعفيه من البلل أو الشعور بالبرد في انتظار ملء شبكته ليعود بعدها إلى الشاطئ فيفرغ محتواها ثم يجلس ليلتقط أنفاسه ويتناول بعض الطعام وكوبا من الشاي ويدخن سيجارة، فيما يحرص بعض الصيادين الآخرين على اصطحاب “الشيشة” معهم في هذه الرحلة من الصيد.

وعلى شاطئ البحر بمدينة بورسعيد، إحدى المدن الساحلية للمتوسط وقفت “العرب” تترقب وتتابع عملية الصيد، حيث اجتمع صيادو أم الخلول في توقيت واحد، قبل شروق الشمس بنحو ساعتين، وهو الموعد الأنسب للصيد نظرا لانخفاض منسوب مياه البحر.

وفي الرابعة فجرا استقل سمير عطا (شاب أربعيني) دراجته متوجها إلى شاطئ البحر، حاملا معه أدوات الصيد وكل ما يحتاجه من طعام وشراب، استعدادا لخوض مغامرة يومية لا يعلم هل سيعود منها إلى بيته مرة أخرى أم لا؟، حيث السعي وراء الرزق في ظل هذه المهنة الشاقة والمحفوفة بالمخاطر يفرض طقوسا خاصة.

المغامرة اليومية

يترك الصيادون، ويلقّبون أيضا بـ”المغامرين” وهو الأنسب لوصفهم، أمتعتهم على الشاطئ الرملي ويخلعون نعالهم ثم يستقبلون البحر حاملين على أكتافهم عُدّة ثقيلة يصل وزنها إلى أكثر من 12 كيلوغراما بحثا عن “أم الخلول”.

سمير عطا يمتطي يوميا دراجته متوجها إلى البحر لخوض مغامرته، التي لا يعلم هل سيعود منها إلى بيته مرة أخرى أم لا

ويواصل عطا الصياد السير حتى تغطي مياه البحر جسمه إلى الكتفين كي يتمكن من الوقوف بثبات لمقاومة الأمواج المتدافعة نحوه، ويبدأ بالنبش في الرمال مستخدما أدواته التي جهزها لهذه المهمة الشاقة.

والأدوات أو “العدّة”، هي عبارة عن جرَّافة مثلّثة الشكل، ذات أذرع طويلة، تنتهي من الأمام بشريط معدني مقوّس حاد يمكّن من اكتساح الرمال، ويحمل ما تحتها من أم الخلول إلى شباك ضيقة العيون، أولها مثبت في الشريط المعدني وآخرها في يده.

وانتهزت “العرب” فترة استراحة الصيادين لتتحدث مع سمير، فأكد أنه ورث هذه المهنة أبا عن جد رغم أنها مهنة شاقة، لكنه لا يجيد أي مهنة أخرى غيرها.

وكشف أن صيد أم الخلول يكون في الشتاء فقط، في الفترة الممتدة بين نوفمبر ومارس من كل عام، وذلك نظرا لتواجد أم الخلول بكثرة خلال تلك الفترة.

وأضاف، أن الوقت الأنسب للصيد يكون قبل شروق الشمس، وتحديدا في الرابعة صباحا، وذلك لانخفاض منسوب المياه.

وتابع أنه ينزل إلى البحر بمعدل 4 أو 5 مرات في اليوم الواحد، وكل ذلك من أجل جنيهات قليلة تكفيه بالكاد لسد احتياجات أسرته، أما في الصيف فيضطر إلى امتهان أعمال يدوية أخرى ومنها صيد السمك على المراكب أو تأجير المقاعد للمصطافين على الشواطئ.

وشأنها شأن أي عمل في البحر، فإن مخاطر هذه المهنة ربما تودي بحياة صاحبها، وفي هذا الإطار أكد سمير أن مياه البحر خطفت بعض زملائه الذين غرقوا بفعل التيار الشديد، ولم يجدوا من يعوّض أسرهم لأن عملهم حر، وفي غياب مظلة حكومية تأمينية.

وإذا توقف أحد من هؤلاء عن العمل، بسبب المرض أو وجود عواصف تمنعه من الإبحار، فإنه لا يجد من يشتري له الدواء أو يعوضه عن رزق يومه، لكنه لا يعترض لأن الله جعل رزقه مدفونا في رمال البحر، وهو ما يعتبره خيرا.

وتركنا سمير ليستقبل البحر مرة أخرى، وما إن اكتست السماء بأشعة الشمس قليلا، شرع الصيادون في الخروج إلى الشاطئ بعد أربع أو خمس محاولات، راضين بما حصلته شباكهم، لكن المغامرة لم تتوقف عند ذلك الحد، بل إنهم بدأوا مرحلة أخرى وهي “الفرز”.

الفرز بالغربال

قال حسن عثمان لـ”العرب”، إنه بعد الانتهاء من عملية الصيد يبدأ في فرز أم الخلول، لفصل القشور الفارغة أو الحصى عن السليمة منها، وذلك عن طريق “الغربال” ثم يفرز مرة أخرى ليفصل الأحجام الكبيرة عن الصغيرة، وذلك بوضع كميات في الغربال ثم هزّها يمينا ويسارا شريطة أن يقف عكس اتجاه الهواء كي تتجمع في اتجاه واحد.

وكل هذا الجهد من أجل بضعة جنيهات قليلة لا تضاهي مشقة محاربة الأمواج واستقبال البحر في البرد القارس.

وكشف حسن عن أن حصيلة الصيد اليومي تتراوح ما بين 12 و20 كليوغراما، يقوم إثرها الصياد بلفها في قطعة قماش مبللة، وذلك حفاظا على المحاريات الصغيرة ثم يذهب لبيعها، إما في السوق وإما لأصحاب محلات الأسماك مقابل نحو 40 سنتا للأوقية الواحدة (كيلوغرام وربع الكيلو).

مراحل رحلة الصيد

ويفضل الصيادون بيع ما حصدوه في الأسواق مباشرة عن بيعه لأصحاب المحال الكبرى، لأنهم يدفعون ثمنا بخسا ولا يراعون مشقة الصيد، ثم يستغلون حبات أم الخلول الكبيرة ليبيعوها بأسعار عالية رغم أنهم يشترون كل الأحجام بسعر موحد.

وبلغة السوق، تنقسم أنواع أم الخلول إلى “العرايس”، وتعرف بكبر حجمها وبلونها المائل إلى الاحمرار وملمسها الناعم، ويكثر وجودها في بحيرة التمساح القريبة من مدينة الإسماعيلية.

أما النوع الثاني فيطلق عليه “السباع”، وهي ذات ملمس خشن وبألوان متعددة، فيما يعرف النوع الثالث “البلطي” بصغر حجمه ولونه الأسود.

وفقا لعلماء الأحياء المائية، فإن تواجد أم الخلول يكثر في البحار المعتدلة والدافئة، ولها فوائد صحية كبيرة للإنسان، حيث تحتوي على نسب من المغنسيوم، والبوتاسيوم، والفسفور، والكالسيوم، والزنك، وجميع هذه المعادن لها دور في زيادة حيوية الجسم ونشاطه، كما يحتوي كل 100 غرام منها على 50 سعرة حرارية.

وإضافة إلى ذلك، فهي تعد مصدرا جيدا للبروتين والدهون وغيرها من العناصر التي تسهم في تغذية المخ وبناء الخلايا العصبية والدماغية، ما يساعد على التمتع باليقظة الذهنية.

وتنقسم أم الخلول إلى نوعين، الأول هو “الإدكاوي البلدي” والثاني “الإنكليزي”، لكن النوع الأول يظل الأكثر فائدة والأعلى سعرا.وفي مطاعم الأسماك الكبرى تتنوع أشكال أم الخلول على المائدة.

وقال “الشيف” عادل محمود الذي يعمل بأحد المطاعم، إنه بإضافة القليل من الملح والليمون يتحول ذلك الحيوان الصدفي إلى واحد من أشهى أنواع المقبلات، لافتا إلى أن أم الخلول تستخدم أيضا لصنع حساء ذي مذاق مدهش بلونيه الأبيض أو الأحمر.

أما سكان المدن الساحلية فيأكلون اللسان الأبيض الموجود بين الصدفتين نيّئا مثل “الكافيار”، أو يأخذونها بمجرد إخراجها من الماء، فيطبخونها كما هي بعد سلقها في الماء مع القليل من الملح والبصل.

وإلى جانب ذلك، فقد فرضت أم الخلول نفسها على الفلكلور البورسعيدي، فغنوا لها على السمسمية (آلة موسيقية وترية) “طازة وعال يا أم الخلول.. حلوة وعال يا أم الخلول”، وبالأغنية نفسها ينادي الباعة في الأسواق للترويج لبضاعتهم زهيدة الثمن وكبيرة الفائدة.

20