"صيد الأفاعي" طريق باشاغا لزعامة غرب ليبيا

العملية تشمل ميليشيات يستقوى بها السراج للتمرد على الحل الدولي.
الجمعة 2021/01/15
حان وقت فض التحالف

يبدو أن عملية “صيد الأفاعي” في غرب ليبيا قد شارفت على الانطلاق، بحسب خطة تبناها وزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا وتقف وراءها العديد من الأطراف الإقليمية والدولية وخاصة منها الأوروبية والأميركية وتدعمها الأمم المتحدة وتشارك فيها تركيا من بوابة تلميع صورة التدخل. لكنّ مراقبين يرون أنها ستفتح فصلا آخر من فصول الخلافات بين مؤسسات حكومة الوفاق، إذ تخفي وراءها تنافسا على بسط النفوذ وربما تعجّل بمواجهة مسلحة بين الميليشيات.

تونس - تشكل عملية “صيد الأفاعي”، التي تبناها وزير الداخلية المفوض في حكومة الوفاق فتحي باشاغا وبدعم من قوى إقليمية ودولية، واجهة طبيعية للصراع القائم في غرب ليبيا، وخاصة أمام استحقاقات المرحلة القادمة إثر التوافقات حول إنهاء حالة الفوضى في البلاد.

وفي الوقت الذي يطمح فيه فايز السراج للبقاء في منصبه كرئيس للمجلس الرئاسي مقابل تعيين رئيس وزراء جديد ينتمي للمنطقة الشرقية ويحظى بقبول القيادة العامة للجيش الوطني يعمل باشاغا على وضع المطبات عبر التقدم نحو رئاسة حكومة وحدة وطنية والإطاحة برئيس المجلس الرئاسي.

لكن الصراع يزداد حدة عند الإدراك أن السراج يستقوي في نزعته للبقاء في السلطة بميليشيات طرابلس المحلية وبميليشيات أخرى على امتداد المنطقة الرابطة بين العاصمة والحدود مع تونس، ترى في وصول باشاغا للحكم انتصارا لمصراتة على بقية مدن الإقليم الغربي وتكريسا لنفوذها.

وما يزيد من حدة الخلافات أن باشاغا مدعوم من جماعة الإخوان، التي تتعرض لانتقادات واسعة من ميليشيات قوة حماية طرابلس وحلفائها، وهو ما يعني أن عملية “صيد الأفاعي” قد تؤدي إلى صدام بين ميليشيات غرب طرابلس وقد تعقد مسار التسوية الذي يفترض أن ينتهي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ديسمبر المقبل.

لماذا الآن

العميلة تستهدف ميليشيا النواصي وقوة الردع والتدخل السريع وقوة الإسناد الأمني الأولى وسرية النصر والكتيبة 55

تؤكد مصادر مقربة من مراكز القرار في طرابلس أن باشاغا يتجه إلى “صيد الأفاعي” وهو مدعوم بغطاء دولي، حيث يحظى بدعم أميركي وأوروبي وخاصة من بريطانيا وإيطاليا، كما يدعم الأتراك العملية ويشاركون فيها بعد أن باتت أمرا واقعا، إلا أن هناك تساؤلات كثيرة حول توقيتها.

ودعا نواب البرلمان وعمداء البلديات وقادة الميليشيات في مدينة طرابلس والمناطق الغربية قبل أيام إلى تشكيل حكومة دون السماح لأي حزب أو تيار بتغليب أجندته. وأكدوا أنهم لن يسمحوا لأي طرف بفرض “سياسة الأمر الواقع” وأنهم سيكونون “محاربين لكل من أراد ضياع الوطن”.

وأحدث إعلان باشاغا الأسبوع الماضي عن قرب إطلاق العملية، والتي قال إن خطته قد وضعت من قبل رئاسة الأركان العامة والمنطقة العسكرية الغربيّة وتأتي بسبب الخلل الأمني وستضم ميليشيات من منطقة غرب طرابلس والجبل الغربي، انقساما داخل مؤسسات المجلس الرئاسي بدا واضحا عبر نفي وزارة دفاع الوفاق علمها بالعملية التي تشارك فيها تركيا.

وأشارت الوزارة في بيان إلى عدم وجود تنسيق مسبق وليس لآمري المنطقتين العسكريتين الغربية وطرابلس اطّلاع على ذلك، وطالبت كافة الجهات الأمنية بالتنسيق المسبق معها حتى لا تحصل مناوشات قد تنجر عن العملية.

وكان وزير الدفاع المفوّض صلاح الدين النمروش، قد أكد الأربعاء الماضي بعد اجتماع عقده مع رئيس الأركان العامة لحكومة الوفاق محمد الحداد وعدد من قادة وآمري الميليشيات في المنطقة الغربية وطرابلس الوسطى، أن عمل وزارة الداخلية لا علاقة له بوزارة الدفاع وقوات “بركان الغضب”، في إشارة إلى تحالف الميليشيات المدعوم من قبل أنقرة.

وثمة مخاوف من احتمال نشوب مواجهات مع قوات باشاغا، حيث قال النمروش إن “القوات المُساندة سيتم دمجها بالطرق المناسبة وقد جرى الاتفاق على وضع ميثاق شرف، يُوقّعه جميع أمراء الحرب، ويقضي بعدم حدوث صدام بين الميليشيات والقوات مع تشكيل لجنة برئاسة وزير الدفاع تعمل على ذلك”.

وتتهم القوى الداعمة للسراج جماعة الإخوان وميليشيات مصراتة بمحاولة فرض باشاغا كرئيس للحكومة، وهو ما تفسّر به عملية “صيد الأفاعي” التي أعلن عن قرب انطلاقها بهدف تمهيد الطريق أمام وزير الداخلية المفوض لتحقيق طموحاته السياسية.

ويرى متابعون أن العملية لن تكون عابرة وإنما قد تدفع إلى صراع حقيقي في الغرب الليبي قد يستمر طويلا، ولكن حسمه سيكون بالدعم الدولي لمشروع باشاغا القريب من أغلب القوى المؤثرة في الغرب، والذي سعى من خلال زيارتيه في نوفمبر الماضي إلى باريس والقاهرة إلى توضيح موقفه نحوهما، وإلى التأكيد على أن هدفه هو القضاء على الميليشيات الخارجة عن القانون والمتورطة في الإرهاب والتهريب والعاملة على منع الدولة من استعادة سيادتها.

ويعتقد الكثير من المراقبين أن الخطأ الفادح للسراج هو محاولته التنصل من وعوده السابقة وسعيه للبقاء في السلطة والتمرد على الحل المقترح دوليا بالاعتماد على أمراء الحرب ممن عيّنهم في مواقع حساسة والميليشيات التي يعمل على الاستقواء بها في مواجهة وزير داخليته المدعوم من تركيا.

وتسعى تركيا من خلال مشاركتها في “صيد الأفاعي” إلى تبرئة الذمة من أي علاقة مع الجماعات المستهدفة وخاصة تلك المتورطة في الإرهاب أو التهريب والاتجار بالبشر والتي تمثل تهديدا للأمن الأوروبي وخطرا على أي مشروع لحل سياسي ليبي، باعتبارها متهمة من قبل باشاغا على الأقل بعدم الانضباط والالتزام بالقرارات الرسمية والمواقف الحكومية.

وتدرك أنقرة أن موقف باشاغا يستند لتوافقات دولية بضرورة الانتهاء من حل الميليشيات والقضاء على العناصر الإرهابية وأمراء الحرب المتمردين وخاصة أولئك الموضوعين على قائمة العقوبات الدولية قبل الاتجاه إلى حل سياسي أو التفكير بجدية في تنظيم انتخابات.

كما أن الدور التركي في العملية سيكون متوافقا مع أهداف حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي بدأ الأسبوع الماضي مهمة جديدة في ليبيا، إذ شوهدت طائرة دون طيار وهي تحلق من إيطاليا نحو الجنوب فوق البحر المتوسط قبالة السواحل الليبية.

ويشير مراقبون إلى أن التزام النظام التركي بدوره في الناتو يبقى أهم بالنسبة إليه من العلاقة مع أي طرف ليبي آخر بمن في ذلك حليفه السراج، والذي يرفض العملية من الأساس ويعتبرها المقربون منه تصفية حسابات يتزعمها باشاغا الساعي إلى الظهور في صورة الرجل القوي في غرب ليبيا والمؤهل الأبرز لقيادة المرحلة القادمة.

سباق نحو بسط النفوذ

صراع قد يطول بين الميليشيات
صراع قد يطول بين الميليشيات

يتفق أغلب الفاعلين الإقليميين والدوليين على ضرورة تفكيك الميليشيات المتمردة والعناصر الإرهابية وعصابات التهريب والاتجار بالبشر وعناصر فارة تابعة لتنظيمي داعش والقاعدة، والتي تؤرق الجانب الأوروبي ودول الجوار، ويبدو أن تلك القوى تريد شخصية بارزة تتعامل معها لكي تنفذ أجندتها.

وتقول مصادر ليبية مطلعة إن نجاح باشاغا في تنفيذ العملية سيقدمه رسميا على أنه الرجل القوي في غرب ليبيا، والمؤهل لتزعم المرحلة القادمة، وستمنح ميليشيات مصراتة الموالية لها شرعية الأمر الواقع بعد الإطاحة بالقوى المناوئة لها في طرابلس.

وعلى النقيض، يرى مراقبون أن أي تصعيد عسكري في طرابلس أو المنطقة الوسطى خلال الفترة المقبلة سيقطع الطريق على مهام اللجنة العسكرية الليبية (5+5)، في ظل محاولات لإفشال أي جهود للسلام والتهدئة في المنطقة، وهو ما تدعمه تركيا لاستمرار حالة عدم الاستقرار للدولة والشعب ودعم اندلاع الحرب مجددا.

وتتضمن قائمة أهداف “صيد الأفاعي”، وفق تلك المصادر، ميليشيات وأمراء حرب مواليين لرئيس المجلس الرئاسي، سواء في طرابلس أو في بقية المناطق الفاصلة بينها وبين الحدود المشتركة مع تونس سواء من حيث الشريط الساحلي أو جبل نفوسة.

ومن بين أبرز الميليشيات الموالية للسراج كتيبة “النواصي”، التي تعتبر إحدى الجماعات العسكرية المسلحة في العاصمة، وتتألف من أكثر من 700 عنصر وتعمل في منطقة أبوستة في طرابلس. وكان باشاغا قد اتهمها بالفساد، وتكنّ هذه الميليشيا العداء لوزير الداخلية وقد ظهر ذلك في شنها حربا عليه في أغسطس الماضي.

ويعد القيادي البارز في الميليشيا محمد أبوذراع المكني بـ”الصندوق”، والذراع اليمنى لآمرها مصطفى قدور من أبرز المطلوبين للإنتربول، التي أصدرت بطاقة جلب في حقه منذ 2019 على خلفية شبهات تتعلق بالاستخدام غير المشروع والتلاعب بالأموال الليبية.

وإلى جانب “النواصي”، فإن قوة الردع والتدخل السريع أبوسليم بوسط طرابلس بقيادة عبدالغني الككلي تعتبر من بين الميليشيات المستهدفة وتعرف محليا بكتيبة غنيوة والمقربة بدورها من رئيس المجلس الرئاسي، وأعلنت منذ أيام نية السراج تعيين لطفي الحراري، أحد أبرز قادتها الميدانيين مديرا لجهاز الأمن الداخلي.

كما تم تحديد عدد من الميليشيات في الزاوية من بينها قوة الإسناد الأمني الأولى بقيادة محمد بحرون الملقّب بـ”الفار”، المسيطر على طرق تهريب الوقود والاتجار بالبشر في المدينة والمطلوب لمكتب النائب العام بطرابلس بسبب ارتباطه بداعش، فيما منحه السراج في 2019 رتبة نقيب بالأمن وجعل ميليشيته تابعة لمديرية أمن الزاوية التي رفضت تسليمه للقضاء.

وضمن أهداف العملية تبرز أيضا “سرية النصر”، التي يتزعمها محمد كشلاف المعروف باسم “قصب” والمتهمة بالتورط في تهريب الوقود من مصفاة الزاوية، حيث تستخدم 70 زورقا لنقل الوقود المهرب لسفن التهريب، كما أنها سيّرت شاحنات بطريقة غير شرعية إلى زوارة الواقعة إلى الغرب من الزاوية، رغم زعمها العمل تحت يافطة حراسة المنشآت النفطية.

وتتضمن عملية باشاغا استهداف الكتيبة 55 في منطقة ورشفانة، والتي تلاحق آمرها معمر الضاوي قضايا تتعلق بالقتل والتصفية والاختطاف والحرابة وتهريب الوقود والاتجار بالبشر.

7