صيغة الدستور الجديد.. رهان مصري في مرحلة ما بعد الإخوان

الاثنين 2014/01/13
الاستفتاء على الدستور تحدي المصريين في تقرير مصير بلادهم

لندن - يعتبر الاستفتاء على الدستور يومي 14 و 15 يناير الجاري أحدى النقاط الفاصلة في مسار المرحلة الانتقالية للثورة المصرية، والذي يمهد لخارطة الطريق التي ستنقل مصر من مرحلة حكم فاشلة جسدها الاخوان الى مرحلة جديدة وسط مخاوف من استمرار أعمال العنف التي لاتزال تحركها جماعة الاخوان المسلمين المحظورة ، عبر أنصارها و تحريضهم على استخدام العنف و إشاعة الفوضى ، في رد انتقامي على عزل الرئيس السابق محمد و مرسي و اسقاطه و حركته من الحكم

ولكن مراقبين قللوا من حجم التهديدات التي يطلقها الإخوان الذين مازالوا يتمسكون بوجودهم القانوني ويعتبرون أن ما حدث انقلابا على الشرعية، بعد أن تقيدت حركتهم بعزل الرئيس محمد مرسي، وإعلان تنظيمهم حركة محظورة، وتجريم كل من يتعاون معهم ويروج لأفكارهم، حيث تم إغلاق محطات البث الإسلامي، كما أن مسيرات المعارضة التي كان ينظمها التنظيم خفت مقارنة بالسابق، بعد تعرض الناشطين لاعتقالات من الأجهزة الأمنية.


الاستفتاء على الدستور


ينصب اهتمام المصريين على إكمال عملية الاستفتاء على الدستور دون أية معوقات كونه يشكل جزءًا من التحول الديمقراطي المزمع إنجازه هذه السنة 2014، قبل أن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع هذه المرة لتمرير الحكم على الدستور الجديد، بعد سلسلة طويلة من التغييرات في الدستور القديم بحيث أصبح يشكل وثيقة جديدة كليًا سيتم طرحها للتصويت.

ويشير المراقبون إلى أن الموافقة على الاستفتاء أمر مفروغ منه، ومن المرجح أن تكون النتيجة في صالح النظام السياسي الحالي، بعد القبول الإيجابي الكبير الذي أظهره المصريون تجاه الدستور الجديد.

عمليات الاقتراع التي جرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة في مصر
*الاستفتاء على أول تعديلات دستورية بعد سقوط مبارك

في 19 مارس 2011 قال 77،2 % من الناخبين “نعم” في استفتاء لتعديلات دستورية تنص خصوصا على أنه لا يحق لرئيس الجمهورية أن يترشح لأكثر من ولايتين. وكانت نسبة المشاركة 41 % وهي نسبة أكبر بكثير من تلك التي شهدتها كل عمليات الاقتراع في عهد مبارك.

وأيد الاقتراع خارطة الطريق الأولى التي وضعها الجيش بدعم من الإخوان المسلمين لعملية انتقال السلطة إلى حكم مدني منتخب، ولكن الحركات المطالبة بالديمقراطية غير الإسلامية طالبت بوضع دستور جديد للبلاد قبل أي انتخابات.

*الانتخابات التشريعية

في العاشر من يناير 2012 وإثر انتخابات تشريعية اعتبرت الأكثر نزاهة منذ إطاحة الملكية في مصر عام 1952 فازت الأحزاب الإسلامية بقرابة 70 % من مقاعد مجلس الشعب وبلغت نسبة المشاركة 54 %.

وفاز حزب الحرية والعدالة الذي أسسه الإخوان بعد الثورة بـ 47 % من مقاعد مجلس الشعب بينما حصد حزب النور السلفي 24 % تقريبا من المقاعد وحصل حزب الوفد الليبرالي على7،5 % من المقاعد وحصل “الكتلة المصرية” (تحالف أحزاب علمانية ليبرالية) على قرابة 7 % من المقاعد.

وتم حل مجلس الشعب بقرار من المحكمة الدستورية العليا في الثاني من يونيو 2012 بسبب عدم دستورية القانون الذي أجريت على أساسه.

*انتخابات مجلس الشورى

في 22 فبراير 2012 فاز الإسلاميون بانتخابات مجلس الشورى التي بلغت نسبة المشاركة فيها 10 % فقط. وحصل حزب الحرية والعدالة على 105 مقاعد من إجمالي 180، بينما فاز النور بـ 45 مقعدا والوفد بـ 14 مقعدا والكتلة المصرية بثمانية مقاعد وذهبت ثمانية مقاعد أخرى إلى أحزاب صغيرة.

وفي الثاني من يونيو 2013 حلت المحكمة الدستورية العليا مجلس الشورى ولكنها قررت استمراره في التشريع إلى حين إجراء انتخابات جديدة.

*الانتخابات الرئاسية

في الرابع والعشرين من يونيو 2012 أعلن فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي في انتخابات رئاسية اعتبرت تاريخية بحصوله على 51,73 % من الأصوات.

وقبيل إعلان نتيجة الانتخابات، أصدر الجيش إعلانا دستوريا استعاد بموجبه سلطة التشريع، وهو إعلان ألغاه مرسي بعد عزله وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي وتعيين الفريق أول عبدالفتاح السيسي بدلا منه في 12 أغسطس 2012.

*الاستفتاء الثاني على مشروع دستور

أقر مشروع دستور جديد مثير للجدل كانت أعدته لجنة يهيمن عليها الإسلاميون في 22 ديسمبر بنسبة 63،8 % وبلغت نسبة المشاركة في الاقتراع التي قالت المعارضة إنه شهد انتهاكات قرابة 33 %.

وتقرر إجراء انتخابات تشريعية في 22 أبريل 2013 إلا أنها ارجئت إلى أجل غير مسمى بعد أن ألغى القضاء قانون الانتخابات في 6 مارس 2013. وتم تعطيل الدستور في الثالث من يوليو مع إعلان الجيش عزل مرسي.

وتسعى عديد الجهات السياسية الفاعلة في البلاد إلى إنهاء وإنجاح خارطة الطريق بأسرع وقت ممكن.

كما أن جميع مؤسسات الدولة تقف بشكل كامل وراء الوثيقة الجديدة (الدستور) للموافقة عليها، لأن نجاح الاستفتاء لتمرير الدستور- الذي أصبح بمثابة اختبار للشرعية القائمة في البلاد حالياً- هو الرهان لمرور المصريين إلى بر الأمان رغم وجود تخوفات من فشل التجربة أو ضعف إقبال المواطنين، لأنها ستحدث رد فعل غير عادي على المستويين الإقليمي والدولي ضد النظام السياسي المؤقت، مفاده أن مصر لا تملك الأدوات التي قبلتها الأطراف الفاعلة في السياسة الرئيسية داخل البلاد لتسوية الخلافات السياسية مع الإخوان المسلمين.

فاعتبار الجماعة طرفا خاسرا في المعادلة السياسية في المستقبل جعلها تنظر إلى الاستفتاء على أنه غير ملزم، ولم تعد هناك عمليات تفاوضية تسمح للأطراف المتنازعة بالتوصل إلى اتفاقات.

وفي الواقع قد يرسخ الدستور الجديد للبلاد انقسامات سياسية عميقة في مصر، حيث ستتم الموافقة على الدستور من قبل المؤيدين، ولكن هذه الوثيقة حتى الآن لم تقنع المعارضة المحسوبة على الإخوان المسلمين وحلفائها، كونهم طرفا فاعلا ورئيسيا في التصويت. نفس الشيء الذي حدث في عام 2012، عندما انقسم المصريون بقوة على الإعلان الدستوري الذي أصدره آنذاك الرئيس المعزول محمد مرسي، واستمرت الخلافات الحادة وساهمت في صنع أزمة سياسية، حتى بعد أن تراجع عنه الرجل، لكنها في النهاية أصبحت علامة فارقة في تاريخ نظام الإخوان الحاكم، وانتهت. بالإطاحة بمرسي من المنصب الرئاسي.


آراء مختلفة


اختلفت الآراء حول ما ستؤول إليه الأوضاع في مصر بعد الاستفاء والانتخابات الرئاسية، ويرى البعض أن هذا الدستور من المرجح أن يستمر لفترة أطول في حال صعود الفريق أول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، ولكن هناك بعض العلامات المثيرة للقلق حول مصيره كوثيقة قابلة للحياة، لكن المؤكد أن هذا الدستور الجديد سيكون لمرحلة انتقالية في تاريخ البلاد من أجل الاستقرار وبناء نظام دستوري.

ومن المتوقع أن يستمر الدستور المعروض للاستفتاء منتصف الشهر الحالي عشر سنوات على أكثر الأحوال، حيث أن الجميع منشغل حالياً ويركز الاهتمام على نسبة المشاركة في الاستفتاء كمؤشر على شرعية النظام الحاكم، ومع ذلك فإن الاستفتاء القادم يواجه معركة شاقة، فمحاولة تشويه المعارضة لبعضها بعضا قد تأتي بنتائج عكسية تحد من إقبال الناخبين.

ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة المؤقتة إقناع المصريين بأن المعارضة الإسلامية قوى إرهابية، يحاول الإخوان إثبات أن النظام الحاكم (انقلابي) ومن ثمة عرقلة الاستفتاء، وكلا طرفي النزاع سيجعل من الاستفتاء معركته الحقيقية للانتصار أو الخسارة، لإثبات شرعيته وفق وجهة نظره المختلفة.

في هذا السياق أكد عمرو الشلقاني أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، أن القوى السلفية تعتبر ناجحة في التعبئة الانتخابية، ولديها القدرة على جلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، إلى جانب بعض القوى الليبرالية التي تستغل مؤيديها من أجل الخروج، وسيظل حزب النور أحد مكونات التيار السلفي الذي يدعم مشروع الدستور بقوة، وتعتمد عليه المعارضة والحكومة في خروج مؤيديه بكثافة.

ولكن قاعدته من التأييد لا تزال غير واضحة، لوجود انقسامات غير ظاهرة بين صفوف الحزب السلفي، وضعف قياداته في السيطرة على بعض مؤيديه ممن يؤيدون الإخوان.

ووضح الشلقاني أن النظام المؤقت حشد الشخصيات المؤثرة محلياً أو الأثرياء في المدن والبلدات في جميع أنحاء البلاد من أجل الدعاية إلى التصويت وحضور الاستفتاء، لكن جماعة الإخوان تلعب على هذه الوتيرة وتقول إن هذه الشخصيات السياسية المؤثرة هي من القوى المحسوبة على النظام الأسبق أو ما يطلق عليها (الفلول)، وقد تعاود الظهور.

وهذه القاعدة قد تجعل بعض المصريين يتخوف من عودة رجال الحزب الوطني المنحل مجدداً إلى المشهد السياسي بعد سقوط الإخوان، ومع ذلك فإن الدستور الجديد سيمر وستكون هناك انتخابات برلمانية ورئاسية، وفقاً للقواعد المقترحة داخل خارطة الطريق.

7