صيغة سلفية مصرية على الطريقة "السرورية" السعودية

الأحد 2014/05/25
نموذج العريفي "الانتهازي" لم يتمكن من الانتشار ونموذج "العودة" الهادئ فشل في التكيف

القاهرة- يبدو التيار الإسلامي في مصر على أعتاب مرحلة جديدة، بعد الأحداث الدرامية التي واجهتها جماعة الإخوان المسلمين، وهزت صورتها في المجتمع المصري، وجعلت عددا كبيرا من أنصارها ينفضّون عنها.

يتعرض قطاع مهم في الجناح السلفي لانتقادات حادة، بسبب وقوعه في تناقضات، بين أيديولوجيته الإسلامية وبرغماتيته السياسية. ناهيك عن التضييق الذي يواجهه الجناح التكفيري. وفي النهاية أصبح مستقبل التيار غامضا، وهو ما فرض على رموزه البحث عن مخرج، يمنحه الأمل، ويجعل له مكانة في المجتمع.

إذا كانت جماعة الإخوان مشغولة بهمومها ومصممة على عدم التغيير الجذري، والجهاديون متمسكون بمواقفهم الجامدة ومتخندقون في مواقعهم التكفيرية، فإن عددا من قيادات الجناح السلفي في مصر يحاولون التكيف مع المعطيات الراهنة، ويسعون بصورة عملية إلى تقديم خطاب يحافظون من خلاله على ثوابتهم الإسلامية ويتكيفون مع التطورات السياسية.

ويعتبر يونس مخيون، رئيس حزب النور السلفي، وياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، من أكثر الشخصيات التي تجمع بين هاتين الأداتين، لتحاشي ما يشاع من أخطاء عن جمود السلفية والاحتفاظ بمسافة بعيدة عن الإخوان، التي كان التيار السلفي العام أحد أهم حلفائها حتى وقت قريب، وبعد انقلاب المزاج المصري ضد غالبيتهم، يسعى مخيون وبرهامي وأتباعهما إلى تقديم صيغة مصرية على الطريقة “السرورية” السعودية، على أن تكون أكثر مرونة ومتجاوزة لأخطاء الماضي وغير أثيرة لطوباوية صعبة المنال، خاصة أن الأخيرة (السرورية السعودية) ظهرت لها مؤشرات وطفا لها رموز إبان حكم الإخوان، لكن ربما لم يلتفت لها كثيرون في ذلك الوقت.


سرور السوري أم المصري


معروف أن “السرورية” ظهرت في السعودية في منتصف الستينات من القرن الماضي، على يد محمد سرور زين العابدين، السوري الأصل، وهي حركة تجمع بين المنهج السلفي في الفقه والعقيدة والإطار الإخواني في التنظيم والحركة، وقد جمع “سرور” بين عباءة محمد بن عبد الوهاب ومعالم سيد قطب، أي عقد قرانا بين السلفية والقطبية.. وجمع بين كتاب التوحيد والظلال، فأنجب ما سمي بتيار الصحوة الذي جذب قطاعات كبيرة من الشباب السعودي، لعبت دورا مهما في الدعوة، وأصبحت ستارا يتدثر به السلفيون والإخوان، حتى التفتت الحكومة السعودية لعناصرها، وبدأت مرحلة من التضييق عليهم، عقب تأكدها من المخاطر التي تنطوي عليها تحركات هذا الفريق في المجتمع السعودي.

“السرورية” المصرية البازغة أو المتخيلة، لا علاقة لها بالداعية السلفي رفاعي سرور الذي توفي قبل عامين، لأن منهجه أقرب إلى منهج سرور السوري، فهو تربى على أفكار سيد قطب وشرب من معين سلفية ابن عبد الوهاب، وتلاميذه أقرب للجناح الجهادي، بدليل أن جنازته شهدها عدد كبير من العناصر التكفيرية، وألقى فيها عبد المجيد الشاذلي أحد منظري الفكر القطبي كلمة عصماء اعتبر فيها رفاعي سرور “حامي الشريعة وسيف الله”. ويحرص مجددو التيار السلفي حاليا على الابتعاد عن هذا المنهج وصياغة طريق يميل للتأقلم مع المشهد المصري المتحرك، حتى يضمن له مكانا تحت الشمس، في ظل الرفض الواسع لأي خطاب يتمترس حول رؤية إسلامية تقليدية.

الواقع أن جماعة الإخوان حاولت من قبل الاستعانة بعناصر من السرورية السعودية، لاستمالة قطاع كبير من المصريين، وتأكيد تحالفها مع التيار السلفي العريض، وظهرت معالم الاستعانة في شخصيتين أحدثا ضجيجا كبيرا في مصر خلال العام الذي قضاه الإخوان في الحكم.

السلفيون يسعون بصورة عملية إلى تقديم خطاب يحافظون من خلاله على ثوابتهم الإسلامية ويتكيفون مع التطورات السياسية


العريفي وكوكب الشرق


الشخصية الأولى، هي محمد العريفي أحد أبرز رموز تيار الصحوة أو السرورية في السعودية، حيث رتبت له جماعة الإخوان زيارة للقاهرة في شهر يناير- كانون الثاني 2013، ألقى خلالها خطبة الجمعة في مسجد عمرو بن العاص، احتفى بها كثيرا إعلام الإخوان، خاصة أن خطبته كغيرها من الخطب التي يلقيها في كثير من الدول العربية، دغدغت مشاعر المصريين، حيث تحدث عن مصر وفضائلها وأهميتها، في محاولة للإيحاء أن أمجادها سوف تعود على أيدى الإخوان.

وظهر الجانب السلفي في خطابه عندما تلا على المصلين قصيدة “وقف الخلق” للشاعر حافظ إبراهيم وغنتها كوكب الشرق أم كلثوم، وتجاهل في إلقاء القصيدة مقطعا مهما، حتى لا يقال إن العريفي من دعاة التفاخر بالأصنام، قال فيه شاعر النيل:

وبناة الأهرام في سالف الدهر

كفوني الكلام عند التعدي

أنا تاج العلاء في مفرق الشرق

ودراته فرائد عقدي

أيّ شيء قد بهر الناس جمالا

ولم يكن منه عندي.

وقد فشلت طريقة العريفي في إقناع المصريين بأسلوبه وأفكاره السلفية – الإخوانية، حيث جرى اكتشاف نفاقه بسرعة، ليس فقط من خلال قصيدة حافظ إبراهيم، بل بكشف تناقضاته المتعددة، حيث رصد ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من الخطب ألقاها العريفي في بلدان مختلفة، مدحها أو ذمها كان يتوقف على علاقة الإخوان بحاكمها أو وضع الإخوان بين القوى السياسية، فقد مدح بلاد الشام (سوريا) في وقت ثم ذمها بعد اندلاع الثورة فيها، الأمر الذى أفقد في النهاية هذا الأسلوب أي حضور في مصر، وشعر الإخوان بحرج موقفهم، ولم يكن قطاع كبير من السلفيين على اقتناع تام بالعريفي.


حكاية العودة والأهرام


أما الشخصية الثانية، فكانت سلمان العودة الذي أصبح من أنصار المدرسة السرورية في السعودية، بعد أن كان من غلاة السلفيين، وهو الآن الأمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه يوسف القرضاوي. وقد بدأت أفكاره تتسرب إلى مصر من خلال شرائطه الدعوية، واللافت أنه كان للرجل داعمون من السلفيين والإخوان، وفتحت له قيادات من الجانبين نافذة لكتابة مقال رأي في صحيفة الأهرام، أكبر الصحف المصرية تأثيرا وانتشارا. وجاءت الكتابة وكأنها أحد أنواع الترضية للهجوم الذي شنه عبدالناصر سلامة رئيس تحرير الأهرام السابق في مقال له على الشيخ القرضاوي، وكانت قيادات إخوانية وسلفية في مجلس الشورى الذي كان يتولى الإشراف على الصحافة القومية آنذاك (إبان حكم الإخوان) أقنعت “سلامة” بأهمية فتح نافذة أسبوعية للعودة في الأهرام.

بالفعل بدأ الداعية السعودي يطل على قارئ الأهرام كل يوم أحد، ابتداء من أواخر عام 2012. وكانت كتاباته تتسم بالمرونة والرشاقة الصحفية. ولم يتعمد تناول موضوعات مؤيدة مباشرة للإخوان أو السلفيين، وكان حريصا على الابتعاد عن إظهار دعمه بصورة مباشرة، لكن في ثنايا الكلمات كان الرجل يعزز منهج التيار الإسلامي، ويحاول إظهار أهميته ودوره المؤثر، وتواصلت كتاباته حتى بعد سقوط حكم الإخوان بحوالي شهر ونصف، وكان يتجنب الدفاع عنهم صراحة، وحرصت الصحيفة الكبيرة على استمرار كتاباته، باعتباره محسوبا على التيار السلفي، الذي أصبح فيه جناح قوي داعم للسلطة الجديدة في مصر، فكانت الرؤية في إدارة الجريدة الإبقاء عليه كممثل للسلفيين، الذين بدأوا رحلة صعود كبديل للإخوان، لكن العودة قرر فجأة الاعتذار عن عدم الاستمرار في الجريدة تعاطفا مع الإخوان.


سرورية مهجنة


الواضح أن نموذج العريفي “الانتهازي” لم يتمكن من الانتشار، ونموذج “العُودة” الهادئ فشل في التكيف، وكلاهما لم يكن انحيازه للإخوان خافيا على أحد، بالتالي فإن السرورية المهجّنة التي يتبناها حزب النور السلفي في مصر تحاول إنتاج نموذج خاص بها، لا يعتمد بالطبع على أفكار الراحل رفاعي سرور لأنها متشددة ولم تعد تناسب العصر الراهن، الذي يواجه فيه التيار الإسلامي أصعب الاختبارات، وهذا النموذج، مهما كان اسمه، يعتمد على توليفة يسعى مخيون – برهامي إلى إعدادها، وتهيئتها لتجديد الدماء، التي تكلست في العروق، لكن مشكلة الوصول لصيغة تلقى رواجا وانتشارا في ثلاثة جوانب:

- الأول، افتقار التيار الإسلامي عموما إلى الشخصية التي تستطيع صياغة هذه الرؤية، فعند المحكّات الرئيسية جميع العناصر والمفكرين والقيادات، من مشارب مختلفة، تنحاز تلقائيا إلى الصف الإسلامي، حتى لو كان مخطئا، ومن يرصد مواقف جميع الشخصيات التي كانت توصف بالاعتدال والحنكة يجدها تلاشت وذابت وسط الضجيج، بل ساهمت فيه أحيانا، بالتالي سوف تكون هناك صعوبة في رؤية أفكار ناضجة تحظى بالالتفاف حولها، من قبل المتشددين والمعتدلين.

- الثاني، الاستنفار الواسع في قمة المجتمع المصري وقواعده، عقب التجربة الفاشلة للإخوان، وسد الكثير من المنافذ، خاصة المساجد والمعاهد والزوايا، التي كانت تتسلل منها قيادات سلفية وإخوانية للناس، وتجذبهم لأفكارها، لذلك يؤدى تضييق حرية الحركة لوقف بث أية أفكار متشددة، وما لم تكن هناك مرونة شديدة، بعيدة عن أجواء التطرف فلن تجدي نفعا أية محاولات لإبداع فكرة سلفية وسطية جديدة، بمعنى أنه من الصعوبة ولادة سرورية مصرية.

- الثالث، شهر العسل الحالي بين حزب النور والسلطات الحاكمة في مصر من المرجح ألا يدوم طويلا، وهو ما يضع قيادات الصف الأول في موقف حرج، فإما تقديم اجتهاد معلن يتناسب مع المتطلبات السياسية، وفي هذه الحالة سيكون بعيدا لمسافة طويلة عن الثوابت الأساسية للتيار الإسلامي، ويفقد رونقه عند المريدين، أو يكون متشبثا بالثوابت ويتحمل غضبة الرئيس الجديد، الذي سيدير البلاد وفقا لدستور يمنع قيام الأحزاب على أساس ديني، ووضع ضوابط للعمل الدعوي ضيقت الخناق على السلفيين وغيرهم.

في كل الحالات، كان ظهور رموز للسرورية السعودية في مصر مؤقتا ومحكوما باعتبارات لها علاقة بأجواء سياسية سابقة، وإعادة إنتاجها على الطريقة المصرية، أمامه جملة كبيرة من التحديات، سوف تجعل من فكرة ولادة نموذج جديد عرضة لعواصف سياسية وأمنية قاسية، يمكن أن تفضي إلى وأدها قبل الخروج للنور أصلا.

5