"صيف تجريبي" رحلة بحث عن فيلم منعته الرقابة

في حين تتماشى السينما الرسمية مع آليات الصناعة السينمائية التي تجيزها السلطة من إنتاج وتوزيع وعرض، تقف السينما البديلة أو السينما المستقلة، لتشق طريقها في صعوبة بطبيعتها غير الشعبوية، وفي تحدّ للعديد من المعوّقات التي تواجه صناع هذه النوعية من الأفلام منخفضة التكلفة في محيطنا العربي.
الجمعة 2017/12/08
حيرة إزاء متاهة لا تنتهي

تشهد السينما البديلة أو المستقلة في مصر والعالم العربي عموما معوّقات عديدة حتى يظهر الفيلم للعلن، هذا إن ظهر أصلا، وتتلخص هده المعوّقات في الإجراءات المعقدة للحصول على التصاريح اللازمة للتصوير وإجازة السيناريو، وصولا إلى المنع الرقابي لاستبعاد الأفلام التي قد يراها الرقيب غير متوافقة مع رؤيته، أو لتمردها على سلطته.

وقد تتخذ أساليب المنع أحيانا أشكالا مراوغة للنأي بتلك الهيئة الرقابية أو غيرها من صفة الاستبداد والتعسف في الرقابة على المصنفات الفنية، حدث هذا الأمر مع الفيلم المصري “آخر أيام المدينة” للمخرج تامر السعيد وفيلم “أخضر يابس” للمخرج محمد حماد، اللذين لم يعرضا في مصر حتى الآن رغم عرضهما المتكرّر في مسابقات ومهرجانات دولية وإقليمية، لقيا فيها من الترحيب والإشادة ما لم يلقياه في بلدهما، وتكرّر الأمر مع الفيلم اللبناني “بيت البحر” للمخرج روي ديب، الذي ماطلت الرقابة في عرضه داخل لبنان.

والأفلام الثلاثة تم إنتاجها خلال العامين الماضيين فقط، ليرسخ هذا المنع غير المبرّر في حالة الفيلمين المصريين، وبدواع أخلاقية في حالة الفيلم اللبناني، تلك التحديات التي تواجه صناع الأفلام العربية المستقلة.

ومن هناك، يسعى الفيلم المصري “صيف تجريبي” إلى إلقاء الضوء على هذه التحديات التي تواجه صناعة السينما المستقلة في مصر عبر التجول في دهاليز هذه الصناعة، وفي إطار يجمع بين السرد الوثائقي والروائي، ولأنه لم تتمّ حتى الآن إجازة عرض الفيلم في دور العرض التقليدية، فقد تمّ عرضه أخيرا على نطاق ضيّق ضمن العروض التي تقدمها سينما “زاوية” في القاهرة، وهي دار عرض مخصصة للسينما البديلة في مصر، كما يشير التعريف الخاص بها على موقعها الرسمي.

وفيلم “صيف تجريبي” من إخراج وتأليف المخرج المصري الشاب محمود لطفي، الذي يشارك أيضا بالتمثيل في الفيلم مع الفنانين: زينب مجدي ومريم صالح وعمرو وشاحي وأحمد مجدي وأسامة الورداني ونوارة مراد وآخرين.

رحلة البحث عن الفيلم تقودنا للولوج إلى عالم صناعة الأفلام المستقلة في مصر، حيث ندخل في متاهة من العلاقات المتشابكة والمربكة داخل سياق الفيلم نفسه، لتظل المعضلة التي تواجه محمود وزينب هي أن لا أحد قد شاهد النسخة الأصلية من الفيلم الممنوع من العرض

وتدور قصة الفيلم حول رحلة بحث مضنية يخوضها محمود لطفي وزينب مجدي بشخصيتيهما الحقيقيتين عن النسخة الأصلية من فيلم مصري كلاسيكي صنع خلال حقبة الثمانينات تحت عنوان “صيف تجريبي” (وهو فيلم افتراضي ليس له وجود حقيقي)، وحسب السياق فقد تمّت مصادرة الفيلم المشار إليه من قبل جهة حكومية لأسباب غير معلومة خلال هذه الفترة الزمنية.

وتقودنا رحلة البحث عن هذا الفيلم للولوج إلى عالم صناعة الأفلام المستقلة في مصر، حيث ندخل في متاهة من العلاقات المتشابكة والمربكة داخل سياق الفيلم نفسه، لتظل المعضلة التي تواجه محمود وزينب هي أن لا أحد قد شاهد النسخة الأصلية من الفيلم الممنوع من العرض.

ويتمثل الخيط الأول في سياق البحث عن الفيلم المختفي في ملصق دعائي له تتصدرّه صورة فوتوغرافية لفتاة تبتسم، ليكتشف فريق العمل وجود العديد من المحاولات الأخرى لعمل أفلام تستلهم قصة الفيلم تحت نفس المسمى وهو “صيف تجريبي”، وكلها نسخ محفوظة داخل الأرشيف وممنوعة من العرض لعدم إجازتها من “جهاز الفيلم”، وهو الاسم الذي أطلقه صناع الفيلم على الجهة التي تمثل كل ما هو سلطوي في صناعة السينما عبر الفترات الزمنية المختلفة.

المراوغة هنا تبدو جلية في منح الفيلم نفس تسمية الفيلم المفقود، وانغماس صناع الفيلم نفسه كممثلين في الفيلم بنفس أسمائهم الحقيقية، إضافة إلى ذلك المزج بين الوثائقي والروائي في البناء السردي للأحداث، إذ لم يلتزم السرد بمسار محدّد وبدا متأرجحا بين الوثائقي والروائي ما أضفى المزيد من الثراء البصري نتيجة لهذا التنافر بين المسارين.

وقد استخدم المخرج في تنفيذ الفيلم العديد من الأساليب التصويرية مثل الصورة غير المركزة، والمشاهد الطويلة نسبيا معتمدا على أنماط مختلفة من الكاميرات الرقمية ذات الجودة، كما أن جزءا كبيرا من الفيلم تم تصويره من دون الاعتماد على سيناريو محدّد، وتم التحايل في تصوير مشاهد الشارع التي يتضمنها الفيلم عبر التصوير من داخل سيارة أو عبر شرفة مبنى أو في شوارع جانبية.

وفي ما يخص البناء الدرامي فقد انحاز المخرج إلى الأسلوب التجريبي أو الغامض على مستوى السرد والمونتاج خلال الجزء الأول من الفيلم، وهو الجزء الذي يتم تسليط الضوء خلاله على رحلة البحث والاكتشاف التي تتخللها مشاهد من إحدى نسخ الفيلم الأصلي وأعمال أخرى لم تكتمل، أما الجزء الآخر من الفيلم فقد بدا أكثر ميلا إلى طريقة السرد الروائي، مبتعدا إلى حد ما عن النزعة التوثيقية التي خيمت على جزئه الأول.

واستطاع “صيف تجريبي” أن يحقق نجاحا انعكس على الإقبال الكبير على مشاهدته خلال الأسابيع الثلاثة التي عرض فيها، لفرادة السياق الذي يتناوله الفيلم في المقام الأول، علاوة على الفكرة الدعائية التي سبقت عرضه بنشر الملصق الخاص به على نطاق واسع في منطقة وسط البلد بالقاهرة، وهي النطاق الجغرافي الذي تدور حوله قصة الفيلم.

والمفارقة هنا أن صورة الفتاة التي تتصدّر الملصق الدعائي للفيلم كان قد عثر عليها المخرج في أحد محلات التصوير الفوتوغرافي، وقام بالبحث لأشهر عن صاحبة الصورة حتى عثر عليها عبر صفحتها على فيسبوك، فكانت رحلة البحث عن الصورة مماثلة لرحلة البحث عن النسخة المفقودة للفيلم.

16