صيف قاهري

من بقايا ذلك الصيف أغنية تقول "بص بص بص" لنانسي عجرم، أعطت ذلك الصيف طعما ومذاقا. وفيه حققت الرأسمالية نجاحا بدا نهائيا وأبديا بغزوها للعراق بأساليب القرن التاسع عشر.
الثلاثاء 2018/06/12
صيف القاهرة ضجيج وشغب

قضيت في القاهرة صيفا قائضا بعد غزو العراق بنحو عام. قضيت الصيف بأكمله في القاهرة من أول نزول المشمش حتى نفود التين. البدايات والنهايات لكل الأمور تقاس بالقول من الألف إلى الياء إلا الصيف الذي هو المسافة بين المشمش والتين. تخللت ذاك الصيف ثلاث نوبات تسمّم كالعادة المتسبب فيها التقى والورع والشعب المؤمن بطبعه. هذا رأي يحتاج إلى تفسير.

الزهد عدو التبذير. من يرمي بالطعام الصحيح سيروح للنار ربما. والطعام نعمة وبركة. حين يفسد الطعام يجب أن يكون فساده واضحا للعين المجردة، مثل الرؤية الشرعية للهلال. فبمقدار ما أننا لا نستطيع الاعتماد على التلسكوب في رؤية الهلال، فإننا لا نستطيع الاعتماد على الميكروسكوب لرؤية الجراثيم والبكتيريا. ويبدو أن الجراثيم والفيروسات في مصر ضخمة وملموسة إلى حد أن عالما مصريا تعهد بتحويل فيروسات المصابين بالتهاب الكبد الوبائي إلى أصابع كفتة.

ومن بقايا ذلك الصيف أغنية تقول “بص بص بص” لنانسي عجرم، أعطت ذلك الصيف طعما ومذاقا. وفيه حققت الرأسمالية نجاحا بدا نهائيا وأبديا بغزوها للعراق بأساليب القرن التاسع عشر. وصار أصحاب المصالح الصغيرة، مثل سعيد المكوجي يرى أنه صار على مسافة قصيرة جدا من مايكروسوفت وبيل غيتس.

كان الرجل يرى فيَ صانع جسور إلى أمجاد الرأسمال. كان يحادثني عن مشاريع واستثمارات بخصوص تطوير دكان المكوجي إلى مولات ومجمعات اعتمادا على تطوير الكفاءات التي لديه والتي لا تتجاوز سبعة صبية من أبناء السبيل أو الأيتام. كان هو يرأسهم ويطعمهم ويوفر لهم العجلات للإتيان بالملابس لغسلها وكيها.

كان في سعيد المكوجي شيء من شخصية فيغن في رواية أوليفر توست إذ يعطف على الأيتام ويستغل عمالتهم. ومما يضحكني فيه هو استخدام ألفاظ رأسمالية عالية مثل “الاستحواذ والاندماج وتدوير رأس المال” وما إلى ذلك.

كان يذكرني بدولتين عربيتين صغيرتين جدا وقع بينهما شقاق ونزاع في أواخر الثمانينات فراحت تلك الدولتان توظفان لغة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في صراع بائس مضحك. حتى كلمة “منشق” عادت للظهور على نحو هزلي.

هذه صورة لأي صيف كلها ألوان وضجيج وشغب. الشتاءات وقورة وداكنة وصامتة لكنها أيضا تتكرر بشكل ممل. بعض الثقافات تمعن في تمسكها بالصيف. هل رأيتم صيفا معلّبا؟

الصيف سهل تذكره واستدعاؤه. لكن لكل صيف خصوصية وإن تشابهت في النزق والصخب والسفه في القاهرة بالذات.

24