صيف قرطبة

نكاية في “ربيع قرطبة” المجاز المبتذل، وفي الرواية والمسلسل المستجيرين بالعنوان العامي ذاته، اعتبرت دوما أن قرطبة هبة الصيف.
الأربعاء 2018/09/05
محبة الأندلس شيء بعيد عن لذائذ العيش العابر

لعل أجمل المدن هي تلك الموحشة، التي تهبك الفراغ في المنعطفات والحنايا، حيث ينزوي الناس كأنهم لم يكونوا يوما عابرين لمطاعمها وأسواقها ومنتزهاتها، وحيث لا وجود لهم ظهرا على الأرصفة إلا بالتقسيط، كذلك كانت قرطبة حين وجدتني على ناصية جادة سان فيليبي. لم أزر قرطبة كثيرا؛ هما زيارتان عابرتان قبل أن اختار بكامل وعيي أن أمضي بعضا من أيام شهر أغسطس الماضي تحت رحمة قيظها المهلك، اعتبرت حرارتها شأنا وجدانيا لا مجرد طقس يذيب زوائد الكتل.

ونكاية في “ربيع قرطبة” المجاز المبتذل، وفي الرواية والمسلسل المستجيرين بالعنوان العامي ذاته، اعتبرت دوما أن قرطبة هبة الصيف، العاتي، الطارد لمرهفي الأجساد، والتواقين للنسيم العليل، الصيف القرطبي هو الغنيمة التي تجعلك تدرك أن “أعلى النموذج” (Haut du formulaire)، محبة الأندلس شيء بعيد عن لذائذ العيش العابر، ومشاعر الحسرة والفقد، ولوعات الطرد والتهجير، لن نحب فضاء نكن الضغينة لوارثيه، شرط المحبة النسيان، وتأهيل العين والأذن والقلب على التقاط وجيب الصدى الآتي من قصيدة أو رقصة أو نشيد قادم بسلاسة من العدوة الأخرى، حينها يتجلى الأثر والذكرى بوصفهما طاقة لنسب ممتد في الرطانة والملامح وشهوة الحياة.

لم يكن مركز الفنون المعاصرة بجادة سان فيليبي بقرطبة ممتلئا مساء ذلك الأربعاء، بالرغم من أن داخله تخايل كمأوى مؤقت من هجير المدينة االلافح، كان الإعلان يشير إلى معرض استعادي للرسام القرطبي توماس إيغيا الذي غادر عالمنا قبل أشهر قليلة، تواجهك في المدخل رسومات مائية لزحمة من الكائنات المتداخلة، تحاور أعمال بيكاسو برهافة، ودونما توغل، مع نزوع للتشخيص بهواجس سياسية، بعض كائناته، هو الكاريكاتيريست الفذ، لها حرارة مدينته النائية والمقصية عن التداول، لكن أهم ما قد يأخذ الزائر الغريب القادم من الجنوب، هو صور شريطه المرسوم المعنون بـ: “الديمقراطية والمشاركة”، لم يكن عنوانا فنيا مغريا ولا بجاذبية تخييلية، إنما مباشرته تلك هي التي تقول كل شيء بالنسبة إلى المملكة وريثة العقيدة الكاثوليكية المتزمتة، والمحتضنة لهذه الفسيفساء النازعة إلى التصالح مع الجغرافيا والقوميات والأعراق القادمة من شتى مواطن الدنيا.

قبل سنة رفعت وزارة الدفاع الإسبانية على بنايتها الشهيرة بقلب مدريد لافتة استثنائية في أوروبا، كتب عليها “مرحبا باللاجئين”، في اللحظة ذاتها التي فكر فيها عدد من قادة الدول الأوروبية بمراجعة اتفاقية شينغن، لم تكن اللافتة وليدة لحظتها ولا مزايدة بنزعة طهرانية، كانت اعتقادا بنسبة كبيرة من الصدق. ففي شريط توماس إيغيا، يستدعي أدوار قيم المشاركة والانفتاح وعواقب تغييبهما، في مسار تاريخ إسبانيا من زمن الأندلس إلى الملكية المعاصرة.

15