"صيكوك" وجبة مغربية تستوقف الأغنياء والفقراء في أحضان الطبيعة

الاثنين 2014/04/21
طبق "صيكوك" يمنح المسافرين الانتعاش في فترات الحر

الرباط- “صيكوك”، هي وجبة مغربية تقليدية، تعد في البيوت، وتباع في الأسواق، لكن اللافت هو انتشار باعة متخصصين في هذه الوجبة الشعبية، على جنبات الطريق في مختلف مدن المملكة.

في الطريق الرابط بين الرباط ومكناس عبر منطقة سيدي علال البحراوي، اكتست طبيعة المكان حلة الربيع، حيث الخضرة على امتداد البصر، منظر يغري بالتوقف عنده، لكن الإغراء يتضاعف مع وجود “صيكوك”، الوجبة التي تجبر المسافرين على التوقف لتناولها.

“نحن من أبناء مدينة تيفلت (تقع شمالا على بعد 50 كيلومترا من الرباط)، وكلّ مرة نمر فيها من هذا الطريق، لا بد وأن نتوقف لتناول “صيكوك”، ونشتري اللبن والزبدة لأخذهما معنا”.

هكذا قال محمد الزموري أحد المسافرين، الذي توقف رفقة أصدقائه لتناول وجبة “صيكوك”، ليستطرد صديقه عبد الله مرسلي:”إنها أكلة (وجبة) لذيذة وصحية، واللبن فيها يساعد الجسم على التخلص من السموم، هذا ما نعرفه عن فوائد هذه الأكلة”.

وتقول فاطمة، إحدى بائعات “صيكوك”، وهي سيدة تجاوزت الستين من العمر، وخطوط الزمن والتعب بدت على تقاسيم وجهها، إلا أنها لم تسلبها البشاشة، وعيناها الزرقاوان تنبضان إصرارا وحياة : “أعد “صيكوك” بالشعير، حيث أغسله لأزيل عنه شوائب الحصاد وترابه، وأبسطه فوق حصير تحت أشعة الشمس حتى ينشف، ثم أقوم بتنقيته يدويا بإزالة ما تبقى من حجارة صغيرة، ومن ثم يطحن في الطاحونة، ولا يتم طحنه بالكامل، بل يُترك خشنا قليلا”.

طبق مغربي تقليدي مغذ ومنعش في أحضان الطبيعة

وتضيف فاطمة: “طبخ الشعير يتم على البخار، فأملأ قدرا من الماء، يوضع فوقه إناء آخر ذو ثقوب تسمح بصعود بخار الماء عند غليانه، وفي ذلك الإناء ذي الثقوب أضع الشعير الذي سبق وسقيته بكوب ماء، أكرر هذه العملية ثلاث مرات إلى أن ينضج الشعير، ثم أتركه جانبا حتى يبرد”. تحضير “صيكوك” يحتاج مكونين أساسيين هما: الشعير، وقد شرحت فاطمة كيفية تحضيره، واللبن، وهو حليب تم خضه إلى أن صار لبنا رائبا.

تقول فاطمة: “لدي خمس بقرات أحلبهن.. فيما مضى كنت أستعمل طريقة تقليدية في خض (تصنيع) الحليب، كانت جدّ متعبة، تتطلب مجهودا عضليا كبيرا، أما الآن فأستعمل محركا كهربائيا لخض الحليب، واستخلاص الزبدة، للحصول على اللبن”.

يتم مزج الشعير باللبن للحصول على “صيكوك”، هذا المزج يتم عند الطلب، وهناك من الزبائن من يضيف قليلا من الملح وآخرون يفضلون إضافة السكر لتحلية طبقهم، حسب فاطمة. فاطمة هي واحدة من نساء قرويات من ساكنات المراعي المجاورة، يعشن على فلاحة الأرض وزراعتها، وقد وجدن مورد رزق إضافي لهن عبر بيع صيكوك.

تقول فاطمة: “أستعمل يوميا حصة كيلوغرامين من الشعير، أبيع زبدية “صيكوك” بثلاثة دراهم (أقل من نصف دولار أميركي)، و بعشرين درهما قنينة بسعة خمسة لترات لبنا”. الثمن المناسب للطبق أحد أسباب شعبية الأكلة، فهي غذاء للغني والفقير.

عائلات تجد مورد رزق إضافي عبر بيع "صيكوك"

كما أن “صيكوك” يستوقف المسافرين ليس فقط لإشباع جوعهم، بل لمنحهم الانتعاش في فترات الحر، لكونه طبقا يؤكل باردا، ويكثر الإقبال عليه خاصة في فصلي الربيع والصيف، حيث يتوفر إنتاج الحليب والألبان، التي تعد مكونا أساسيا لهذا الطبق الشعبي بامتياز، دون إغفال القيمة الغذائية المهمة لمكونيه.

محمد الفايد، أستاذ باحث بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، وخبير في علوم التغذية يقول في مدونته : “مزج حبوب الشعير مع اللبن (صيكوك) طريقة تجعل الجسم يستفيد من كلا المكونين، لأن البكتيريا اللبنية هي الوحيدة القادرة على حل حمض الفيتيك الموجود في الحبوب والذي يشد الأملاح المعدنية الثنائية كالحديد والمنغنيز والزنك والكالسيوم”.

ويضيف أن “صيكوك وجبة تساعد على علاج السرطان، وتقي من التقرحات المعدية والإمساك وانتفاخ الأمعاء، كما تساعد على تجنب عسر الهضم، وتحول دون الإصابة بالأنيميا، وتساعد على الحد من السمنة، كما تعد أحسن غذاء للمصابين بالسكري وارتفاع الضغط والكوليستيرول”.

ويعتقد البعض أن أصل تسمية “صيكوك” أمازيغي، لكن بالرجوع إلى معجم “لسان العرب”، نجد مفردة “اصماك اللبن أي خثر جدا حتى صار كالجبن.. ولبن صمكيك وصمكوك هو اللزج.. والصمكيك من اللبن الخاثر جدا وهو حامض”، وعند تداول كلمة صمكوك بين العامة، تم استبدال الميم في صمكوك بياء، فأصبحت صيكوك.

يرتبط “صيكوك” عند المغاربة عادة بالكسكس، فطريقة إعـــداد الشعير هي نفسها طريقة إعداد الكسكس، وعشاق هذه الأكلة قد خبروا فوائدها على صحتهم، فلم يكتفوا بتناولها في بيوتهم، بل قد يضطر بعضهم إلى التوقف في طريق سفره للاستمتاع بهذا الطبق المغذي والمـــنعش في أحضان الطبيعة.

20