صينية وإسبانية تفوزان بجائزة أفضل رواية مترجمة

تعدّ جائزة أفضل كتاب مترجم إلى اللغة الإنكليزية من أبرز الجوائز التي تمنح للكتب العالمية في الولايات المتحدة الأميركية، والجائزة برعاية مركز “ثري بيرسنت” المعني بالأدب العالمي في جامعة روشستر الأميركية، وهي الجائزة الوحيدة التي تكرم الأدب العالمي المنشور في الولايات المتحدة، وسوف تحصل كل مؤلفة ومترجمة على جائزة قدرها 5000 دولار أميركي من موقع أمازون دوت كوم.
الأربعاء 2015/06/03
شان جواي وروكيو سيرون تحصدان أرفع جائزة أميركية للأدب المترجم

أعلن معرض “بوك إكسبو أميركا” بمدينة نيويورك عن نتيجة الدورة الثامنة لجوائز أفضل كتاب مترجم إلى اللغة الإنكليزية. وقد فازت رواية “الحبيب الأخير” للناقدة والقاصة الصينية شان جواي (1953) بجائزة أفضل رواية مترجمة، بينما فاز كتاب “ديوراما” للشاعرة الأسبانية روكيو سيرون (1972) بجائزة أفضل ديوان.

الكتابة التجريبية

أخرجت الشاعرة والمحررة الأميركية آنا روزينونج “ديوراما” في ترجمة “بارعة” على حدّ وصف اللجنة، والمترجمة حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة كاليفورنيا. وترجمت “الحبيب الأخير” المحررة الأميركية أنيليسفاينجان واسمون، وتدرس الدكتوراه في الأدب المقارن بجامعة واشنطن.

تتسم أغلب أعمال روكيو سيرون بأنها تجريبية في جمعها بين الشعر والموسيقى وعروض الفيديو. فديوان “ديوراما” يتألف من عدد من القصائد وكذا “عرض أدائي” تقود سيرون من خلاله القارئ في رحلة لولبية قد تصيبه بالهلوسة، خليط من الصور البلاغية واللغة المتموجة والتاريخ المكسيكي.

وفي تصريح للجنة التحكيم ذكرت أن “الحبيب الأخير” كانت “أكثر الروايات المرشحة هذا العام راديكالية ومغامرة لأنها دفعت الشكل السردي إلى منطقة جريئة كلها جدة”، فيما غامر المحرر الأميركي ديفيد شوك بوصف ديوان “ديوراما” بأنه أهم الدواوين الصادرة في المكسيك وأشدها إبهارا خلال هذا القرن.

أدب جواي، هذه الأيقونة الصينية الطليعية، لا يتماشى مع متطلبات النشر التجاري أو القواعد الترويجية

ومن أبرز الروايات الفائزة بالجائزة في السابق رواية “تانغو الشيطان” للمجري لاسلوكراسناهوركاي الفائز بجائزة مان بوكر الدولية هذا العام، ورواية “المخادع الحقيقي” للسويدي توف جانسون بينما يعتبَر ديوان “ضيف في الغابة” للإيطالية إليسا بياجيني من أنجح الدواوين الفائزة بالجائزة على المستوى التجريبي.

أستاذة عالمية

تشعر شان جواي بخيبة الأمل عند قراءة الأدب الأميركي المعاصر، “أفضِّلُ الكتَّاب الأميركيين في القرن التاسع عشر مثل إمرسون. فالكتَّاب الأميركيون اليوم في منتهى السطحية”. ولعل هذا التعالي الأدبي هو ما نفَّر منها النقاد الناطقين باللغة الإنكليزية.

تبدو المؤلفة وكأنها سر من أسرار صناعة النشر على صعيد الأدب العالمي. فهي مجهولة بالنسبة إلى أغلب القراء الناطقين بالإنكليزية رغم غزارة إنتاجها، لها أربع روايات وخمسون أقصوصة ومئة وعشرون قصة قصيرة وستة كتب نقدية.

الحق أن أدب هذه الأيقونة الطليعية لا يتماشى مع متطلبات النشر التجاري أو القواعد الترويجية. ومع ذلك نالت استحسان البروفيسور الأميركي روبرت كوفر الذي منحها لقب “أستاذة عالمية جديدة”، واعتقدت الأميركية سوزان سونتاج أنها تستحق جائزة نوبل. والرواية المحتفى بها اليوم، والصادرة عن دار نشر جامعة ييل، ترشحت لجائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي. وعدَّتها جريدة ذي إندبندنت أفضل كتاب في عام 2014.

ثلج نقي وآخر ملوث

الرواية ترشحت لجائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي

شان جواي اسم مستعار يعني كلا من “ثلج نقي بأعلى الجبال” و”ثلج ملوّث يرفض الذوبان”. كانت قد استهلت حياتها المهنية كخياطة ثم اتجهت إلى كتابة الأدب عام 1983. وقعت هي وأسرتها تحت أسر اضطهاد ما سمي باليمينيين في عهد ماو. وبعدما حل بالصين ما حل من تغييرات اجتماعية وثقافية، أتاها الإلهام طبيعيا “وكأنني بركان يتفجر”.

تجمع روايتها الأولى “شارع فايف سبايس”، الصادرة عن دار نشر جامعة ييلبين، الرمزية السياسية والفانتازيا السوريالية. وتدور حول شارع لا اسم له، وجوقة مجنونة تسكنه، وتخميناتها حول حياة السيدة “مدام إكس”. امرأة قد تكون في العشرين، وقد تكون في الخمسين. نتعرف على قصتها وتتجسد أمامنا تمام التجسد من خلال الثرثرة والقيل والقال فقط لا غير.

ألفة مقلقة

وفي معرض إشادة مونيكا كارتر رئيسة لجنة التحكيم برواية “الحبيب الأخير”، أعلنت أن الرواية لا تصحب القراء في رحلة إلى عالم حالم في مثل غرابة رواية كافكا “أميركا” فحسب، وإنما أيضا في مثل ألفتها المقلقة.

ولكن الرواية تتجرّد من عناية فائقة بذلها كافكا في اللغة، ومن هوس بالتكنيك بوسعنا أن نتفطن إليه حتى في تراجم كتاباته.

وعلى النقيض من رموز آسيوية أخرى كالياباني يوكيو ميشيما وياسوناري كاواباتا اللذين اتخذا الإيجاز منهجا، نلتقي في “الحبيب الأخير” بحشد مضجر يتعذر علينا متابعته من الأزواج والزوجات والعشاق والعشيقات.

تتشابك علاقاتهم الملتوية وكل شخصية منهم تعتنق أوهام الأخرى، وتهيم بأحلام الأخرى، لتجري حوارات ما هي إلا عبارة عن ألعاب عقلية لا نهائية، “تحولت الحياة اليومية إلى أرض أحلام، مثلها كمثل سلسلة من الحلقات المتشابكة”.

روايات شان جواي لا يمكن تصنيفها في أية خانة أيديولوجية، وتقرأ وكأنها انغماس في فانتازيا جامحة

غرب صيني

لو أن المستشرقين يصفون شرقا لا وجود له إلا في المخيلة الغربية، ترينا جواي “ظلال هذه المخيلة لتنهي إلينا بحلم مضلّل عن غرب صيني”، وذلك باختيارها لمدينة غربية لا اسم لها -تسميها البلد أ- موقعا لروايتها.

وفي خلفية من الزلازل الصحراوية والانهيارات الصخرية على جبال تتغطى بالثلوج، تكشف تجارب الشخصيات العاطفية أعمق أغوار الرغبة الإنسانية في حانات رديئة السمعة وشوارع متعرجة تتراءى وكأنها مقتطعة من دنيا موازية.

كل الأبطال بلا استثناء مضطربون يعصف بهم القلق، “تنسج الزوجة تطريزا كنفا في غاية التعقيد، ترنو إليه فيبدو وكأنك واقع في الهاوية”. وحيواتهم الباطنية ورؤاهم عامرة بالثعابين والدبابير والغربان والقطط والفئران وشجيرات الزهور. فالمــؤلفة صينية بالرغم من كل شيء.

مزاج فلسفي

أكثر الروايات راديكالية ومغامرة لأنها دفعت الشكل السردي إلى منطقة جريئة

واتساقا مع وصف الكاتبة لنفسها بأنها روائية “تجريبية بمزاج فلسفي قوي”، تدّعي أنها لا تكتب إلا ما تختبره، والمختبر الأول هو دوما نفسها. وهكذا تخرج المؤلفة علينا باعتبارها وسيلة لا مؤلفة، سفينة لا محركا.

ويسعنا أن نتلصص على حياة المؤلفة ذاتها حين نجدها تنسج في “الحبيب الأخير” مهزلة متطرفة سوريالية، جميع شخصياتها “تدرأ الموت بعرض فريد”. والمهزلة هنا لا تضاهي مهازل أوسكار وايلد إلا في صورها البلاغية المشرقة. أمّا “الحبيب الأخير”، فهو في الحقيقة كل حبيب وكل حبيبة في الرواية. كلهم ينقبون في مسيرة ساذجة مترعة باليأس عن الحب، أو ربما الجنس الذي ينهمكون فيه انهماكا مسعورا.

التلصص على الذات

لقد ترجمت الأميركية واسمون رواية لصينية عن مدينة غربية. والقارئ الغربي يقرأ الأدب المترجم لرغبته في التلصص على الاختلافات الثقافية، ويقرأ هذه الرواية لرغبته في التلصص على ذاته. تضع جواي نصب عينيها عدة رموز غربية تحيد عن المعتاد والمبتذل، من بينها فرجينيا وولف وسارتر وبيكيت. لا تلتصق بالمنطق أو العقل في سبيل سبر النفس، وتوظّف تيار الوعي الذي باتت أغلبية الروائيين الأميركيين يستنكفون منه.

يصف رونالد جانسون مترجم مجموعتها القصصية “حوارات في الفردوس″ قراءة الأدب الصيني المعاصر بأنها “مسيرة شاقة عبر صحراء عليها لافتات الواقعية والواقعية الاشتراكية. ولا شك أن مؤلفتنا هنا تفعل العكس تماما، محلّقة فوق الواقعية الهجائية المميزة لمعاصريها من أمثال يوهيو وسو تونج”.

فرواياتها تخطو بين حكايات الجن الشعبية وحدود السير المشوّهة. لا يمكن تصنيفها في أية خانة أيديولوجية. وتقرأ وكأنها “انغماس في فانتازيا جامحة”، وهو ما يناقض، حتما وعن عمد، الحقائق الواقعية التي يستوعبها عامة الناس ويأخذون بأسبابها.

15