صينيون يدخلون تدريبات قاسية لتعلم فنون الإتيكيت الغربي

مراكز تعليم الإتيكيت وقواعد وآداب المائدة الغربية تنتشر في عاصمة الثراء الصيني شنغهاي.
الأربعاء 2019/06/12
درس آداب الأكل

حافظ الصينيون على عاداتهم وتقاليدهم على مدى آلاف السنين إلى أن ظهرت فئة جديدة من الأثرياء مع الانفتاح الاقتصادي الذي تبعه انفتاح على حياة الغرب، فبدأ الأثرياء وفئات من الشباب يتأثرون بنمط حياة الغرب، وهجروا أعواد الأكل إلى الشوكة والسكين، كما هجروا ملابسهم التقليدية إلى البدلات الأنيقة وربطات العنق وصاروا يتدافعون على محلات الموضة والعطور. ولمواكبة هذا النمط الجديد دخل الصينيون مدارس لتعلم فنون الإتيكيت وآداب الأكل.

شنغهاي  – في شنغهاي، يقدم أستاذ فرنسي لمجموعة من أبناء النخبة حصصا في أصول اللياقة والتصرف في فندق خمس نجوم للتألق في مجتمع تبرز فيه منافسة قوية بين الصينيين الأثرياء.

ويبدو أن التحولات الاقتصادية التي تشهدها الصين بدأت تفرز حياة ترنو إلى تقليد نمط حياة الشباب الغربيين وخاصة الأثرياء الذين لا يخفي بعضهم الشعور بالخجل من عدم معرفته بقواعد الإتيكيت الغربي والتصرف في المناسبات العامة.

في عاصمة الثراء الصيني شنغهاي تنتشر مراكز تعليم الإتيكيت وقواعد وآداب المائدة الغربية، التي تشكل العائلات الصينية الثرية أهم زبائنها وحتى أصحاب الدخل المتوسط وأبناء رجال الدولة الذين اختاروا هجرة أعواد الأكل إلى الشوكة والسكين.

تحدق دانييل ليو إلى الأمام، فيما تضع كتابا على رأسها وتمشي بعناية على طول خط أحمر مرسوم على الأرض.

خطوات ثابتة تواكب البدلة الأنيقة
خطوات ثابتة تواكب البدلة الأنيقة

وتأمل والدة الفتاة التي تبلغ 10 سنوات أن تساعد هذه الحصص في جعل دانييل “سيدة صغيرة” وتسمح لها بالتألق في مجتمع النخبة الصيني الشديد المنافسة.

تمضي دانييل وسبعة أطفال آخرين يوم السبت في الطابق العلوي من فندق خمس نجوم في وسط شنغهاي لتلقّي حصص في أصول اللياقة والتصرف.

يرتدي الفتيان الأربعة بدلات مع ربطات عنق فراشية أنيقة وأحذية سوداء لامعة، أما الفتيات الأربع فيلبسن فساتين ويرسمن ابتسامات ملائكية على وجوههن.

يقول المدرب الفرنسي غيوم دو برناداك لأحد الفتيان وهو يحاول المشي والمحافظة على الكتاب فوق رأسه “لديك مشكلة في التوازن”.

ولئن كان هؤلاء الأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين 7 سنوات و11 سنة يتمتعون بهذا التمرين، فإنهم يترددون في الامتثال للتدريبات التالية، عليهم الجلوس بشكل مستقيم وعدم وضع المرفقين على الطاولة أثناء تناولهم الطعام.

ويقول زاكاري فيما يحاول تناول حساء والحفاظ على قطعتين من الورق الأبيض تحت إبطيه للتأكد من امتثاله للتعليمات “أشعر بالخوف”.

كما أن هناك أشرطة حمراء مربوطة خلف أكتافهم لمنعهم من التحدب. ويوجه دو برناداك أو أحد موظفيه ملاحظة لطيفة باللغة الإنكليزية أو الصينية إلى الذين يتراخون.

تريد تشانغ ليان التي تستخدم الاسم الانكليزي شيرلي من والدة دانييل أن تكون ابنتها الوحيدة “مثالية”.

وتقول هذه المدرّسة التي تتكلم الإنكليزية بطلاقة “لكي تكون سيدة ورياضية وأكاديمية… آمل أن تتمكن من تطوير نفسها بطريقة شاملة”. وتشارك دانييل أيضا في صفوف السباحة والبيانو والرقص وهو المفضل لديها.

وقالت تشانغ “دائما أتحدث معها وأسألها عما إذا كانت تحب الأمور التي تقوم بها” مقرّة بأن هناك “منافسة شرسة” للبروز في شنغهاي، المدينة الصينية التي يبلغ عدد سكانها حوالي 25 مليون نسمة يتحدر الكثير منهم من جنسيات مختلفة.

 يستبدلون عيدان الأكل التقليدية بالشوكة والسكين
 يستبدلون عيدان الأكل التقليدية بالشوكة والسكين

تدفع تشانغ وأولياء أمور الأطفال الآخرين 2668 يوانا (390 دولارا) لدو برناداك البالغ من العمر 31 عاما مقابل أربع ساعات من التعليم العملي لطفل واحد.

على إيقاع الموسيقى الكلاسيكية، يتعلم الأولاد مهارات اجتماعية وطرق تناول الطعام والتصرف، وتوضع الكتب على رؤوسهم لتعليمهم المشي بأناقة. وتشمل التدريبات الأخرى طريقة تقديم أنفسهم وإلقاء التحية على الأشخاص، بما في ذلك “القبلات الهوائية”، وحتى المواضيع المناسبة لمناقشتها خلال الجلوس إلى مائدة العشاء.

ويحرص الصينيون في شنغهاي على تعليم أبنائهم الثقافة الغربية، فيدرسونهم اللغة الإنكليزية والفرنسية، كما يحرصون على تعليم أبنائهم فن الإتيكيت، والتصرف في المناسبات العامة والرحلات الخارجية.

يقول دو برناداك الذي جاء إلى الصين كطالب للمرة الأولى، إن الطلب على خدماته قد ارتفع منذ أن أسس شركته “أكاديمي دو برناداك” في عام 2014.

وقد اتصلت به سلطات شنغهاي أخيرا وطلبت منه تصميم برنامج للمدارس في أنحاء المدينة، كما أنه يقدم دروسا للبالغين والشركات الخاصة.

يشدد دو برناداك على أن الهدف ليس فقط تعليم الأطفال الطرق الغربية في طريقة تصرفهم. ويشرح قائلا “هدفنا هو أن نقول للسكان المحليين، إنه في حال سفركم إلى الخارج أو حتى انتقالكم إلى بيئة دولية داخل الصين قد تواجهون فيها ثقافات أخرى، فنحن نقدم لكم مفاتيح للتكيف”.

لم يتلق دو برناداك تدريبا رسميا، لكن وفق ما يقوله أرسل جده وعمه إلى المغرب في عشرينات القرن الماضي ليعملا مدرسين للنبلاء. ويضيف أنه من بين المواضيع التي درّساها “كيف تكون مهذبا وكيف تتصرف”.

ويشير إلى أن الاهتمام بحصصه في شنغهاي وغيرها من المدن الرئيسية في الصين، يدل على أن البلاد تريد أن تكون “جزءا من القرية العالمية”، لافتا إلى أن “النخبة مستعدة لبذل بعض الجهد وبعض الخطوات تجاه المجتمع الدولي”.

تمارين بناء الشخصية
تمارين بناء الشخصية

وترفض تشانغ التي جلست قرب ابنتها دانييل عند انتهاء الحصص حقيقة أن هؤلاء الأطفال يجب أن يلعبوا في الخارج ويمرحوا في هذه السن.

وبصرف النظر عن حصة تناول الطعام، يبدو أن الأطفال يستمتعون بالانتقال السريع إلى مرحلة البلوغ.

وتقول تشانغ “يجب أن يعيش الأطفال طفولتهم. هذا صحيح، لكن على الأقل يجب أن يكون لديهم بعض الانضباط”، موضحة “على سبيل المثال، عندما يكونون في مكان عام، لا يمكنهم الصراخ. إنه أمر غير ملائم”.

مدرسة الفرنسي غيوم دو برناداك ليست الوحيدة في شنغهاي فقد انتشرت المدارس الأوروبية لتعليم الإتيكيت وفنون البروتوكول الأوروبي، منها معهد ساريتا الذي أسسته الشابة سارة جين هو لتقدم فيه دروسا في آداب المائدة وغيرها من السلوكيات الغربية الراقية.

سارة و التي ترجع أصولها إلى هونغ كونغ خريجة جامعة هارفارد للعمال وعملت مصرفية في نيويورك كما أنها حصلت على ديبلوم من أحد المعاهد السويسرية لتعليم فنون الإتيكيت، وتقدم دروسها مقابل 16 ألف دولار لدورة تدريبية واحدة على مدار ثلاثة أشهر.

وبعد الانفتاح الاقتصادي صارت كوادر الدولة الصينية العاملة في القطاع الاقتصادي والتجاري وحتى السياحي تسافر كثيرا إلى الخارج لذلك اختاروا تعلم فنون المعاملات الغربية متخلين بذلك عن تقاليدهم الصينية التي رسخها كونفوشيوس منذ آلاف السنين.

وتقول سارة، إنها ترغب في إحداث ثورة في السلوكيات الاجتماعية، مشيرة إلى أن الإتيكيت هو إظهار الاحترام والتقدير للآخرين وأنها ترغب في إصلاح الصورة السيئة التي يظهر بها هذا الجيل الأول من الأثرياء الصينيين في الإعلام الغربي.

20