ضبابية استراتيجيا دائرة الاتصال الرئاسي تربك عمل الصحافيين التونسيين

الصحافيون يعربون عن تذمرهم تجاه رفض مسؤولي دائرة الاتصال التعامل معهم عبر الموبايل.
الاثنين 2019/12/30
هيكلة دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية أمر عاجل

تفتقد الممارسات الاتصالية لدائرة الإعلام والاتصال في الرئاسة التونسية للتفاعل الفوري مع الصحافيين والرد السريع على استفساراتهم ومطالبهم، في حين أنه من المفروض أن تكون الوظيفة الأساسية للمكلفة بالاتصال.

لمّا ألحّت عليها الصحافية لمعرفة “المتآمرين” الذين تحدث عنهم الرئيس التونسي قيس سعيّد، في خطابه في سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر دون أن يسميهم، اكتفت المكلفة بالاتصال في رئاسة الجمهورية رشيدة النيفر، بالقول “هناك من يعطل سير الدولة… أنا أعطيك المعطيات وأنت كصحافية تقومين بعمل استقصائي للمتابعة”. لم تتصرف السيدة النيفر بصفتها مكلفة بالاتصال بل كأنها مبلّغة بالتلميح عن فساد إداري وسياسي في الدولة.

ولا مفر من أحد الأمرين في جواب المسؤولة التونسية، فإما أنها لا تعلم شيئا ولم يكن هناك داع للحديث عن التآمر، إذ لا معنى للحديث عما نجهل، وإما أنها تعلم أشياء وفضلت الصمت وهو موقف يتنافى مع دائرةٍ وظيفتها الإعلام. ويدل الأمران على أن وظائف دائرة الإعلام والاتصال في رئاسة الجمهورية غير محددة وغير واضحة في أذهان المسؤولين عنها.

وهناك ما يدل بوضوح، في حديث المكلفة بالاتصال مع صحافية الإذاعة الوطنية في 20 ديسمبر، على ضبابية الوظيفة عندما تقول “إلى حد الآن لم يتأقلم الإعلام مع التمشي الجديد لرئيس الدولة” مضيفة بقولها “لو حاول الإعلام أن يقترب قليلا لفهم تمشي رئيس الجمهورية”.

أفليست تلك وظيفة المكلف بالاتصال؟ هي وظيفته أولا وآخرا تتمثل في إعداد ملفات عما سمّته المكلفة بالاتصال “تمشيا جديدا لرئيس الدولة” مما يقتضي شكلا مختلفا في التعامل مع الصحافيين يذهب إلى ما بعد الاكتفاء بتحرير بلاغات صحافية لمجرد الإخبار. ونستشف من هنا وظيفتين أساسيتين لدائرة الإعلام والاتصال، وهما الإعلام عن أنشطة الرئيس يوميا والتعريف بسياسة رئيس الجمهورية عبر ملفات تفسيرية.

لقد بلغت العلاقة بين الصحافيين ودائرة الإعلام والاتصال في رئاسة الجمهورية حدا غير مسبوق من التوتر في الأسابيع الأخيرة بلغ ذروته في 25 ديسمبر يوم الزيارة “غير المعلنة” للرئيس التركي إلى تونس للقاء الرئيس التونسي. لقد مُنع يومها عدد من الصحافيين من تغطية الندوة الصحافية بين الرئيسين بذريعة أنه”لا يمكن تمكين كلّ الصحافيين من الدخول لما يتطلبه الأمر من إجراءات أمنية مسبقة”.

ربّ عذر أقبح من ذنب. فدائرة الاتصال هي المطالبة بإيجاد الآليات التي تمكنها من أداء وظيفتها المتمثلة في مد وسائل الإعلام بالبيانات على قاعدة المساواة. وهو أمر لم يفت نقابة الصحافيين التونسيين التي أصدرت بيانا تحدثت فيه عن “انعدام رؤية واضحة للمشهد الإعلامي وكيفية التعامل مع الصحافيين وغياب سياسية اتصالية واضحة تكفل لكل المؤسسات الإعلامية الحق في المعلومة”. وهنا مربط الفرس المتمثل في غياب استراتيجية اتصالية واضحة تؤدي إلى ممارسات إعلامية اتصالية سليمة.

دائرة الاتصال مطالبة بإيجاد آليات تمكنها من أداء وظيفتها في مد وسائل الإعلام بالبيانات على قاعدة المساواة

ويثير هذا الأمر سؤالا محوريا: هل أن دائرة الإعلام والاتصال تمارس الاتصال السياسي أم هي مجرد قاعدة إعلامية لنشر البيانات؟ فإذا كانت الوظيفة هي التي تحدد الشكل فإن الهدف يحدد الآليات التي ينبغي تطويعها لذلك الهدف. فهل تعتبر دائرة الإعلام والاتصال أنها تهدف إلى اتصال في معنى توظيف كل التقنيات التي يستخدمها القادة السياسيون لإغواء الرأي العام وتسييره نحو سياسة يتبناها رئيس الجمهورية؟

أم هو اتصال كما يراه دومينيك فولتون يقوم على نشر المعلومات بين الفاعلين السياسيين ووسائل الإعلام والمواطنين؟ أم هو اتصال في مفهومه التنافسي يهدف إلى التأثير في الناس من خلال توجيه الرأي نحو تصورات محددة للأحداث والقضايا السياسية الكبرى؟ أم هو اتصال يهدف إلى تشجيع المداولات العامة في الفضاء العام يكون فيه دور دائرة الاتصال هو توفير ما يمكن من معلومات للتشجيع على النقاش لخدمة الديمقراطية؟

وأيا كان النمط الاتصالي الذي يقع عليه الاختيار، نتيجة لخيارات سياسية قد تفضي إلى تصور نمط مختلف عن الأنماط الأربعة أو يؤلف بينها أو بين بعضها، فإن هناك ثلاثة مقومات تنتج عن ذلك؛ وهي البعد العملي المتمثل في مجموعة من الممارسات الاتصالية الفعالة، والبعد الرمزي الذي يهدف إلى إقناع المتلقين بما تحمله الممارسات الاتصالية من رسائل مختلفة، والبعد الهيكلي المتمثل في القنوات المؤسسية والتنظيمية للممارسات الاتصالية.

ويعني ذلك أنه لا معنى للتفكير في هيكلة دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية قبل تحديد الاستراتيجية الاتصالية كما يعني أنه لا بد في الوقت نفسه من التعجيل بضبط الممارسات الاتصالية التي تلتقي فيها كل الأنماط وهي مد الصحافيين بالمعطيات التي يحتاجون إليها لإخبار المواطنين وتحتاج الدائرة إلى نشرها ليرى الناس مؤسسة رئاسة الجمهورية عملا بالقولة الشهيرة المنسوبة لسقراط “تكلم حتى أراك”.

إن الحد الأدنى من الممارسات الاتصالية المطلوبة من دائرة الإعلام والاتصال يقوم على التفاعل الفوري مع الصحافيين وعلى الرد السريع على مطالبهم وعلى اعتبار أن تلك المطالب تحظى دائما بالمقبولية وعلى الشفافية في معاملة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.

وكان من أول المشاكل التي ظهرت بين دائرة الاتصال والإعلام من ناحية والصحافيين من ناحية أخرى هو غياب الفورية في التعامل معهم. لقد تذمر الصحافيون محقين من رفض المسؤولين في الدائرة التعامل معهم عبر الهاتف الجوال والاكتفاء بهاتف السكرتارية والبريد الإلكتروني والفاكس وهي أدوات تفضي عادة إلى تواصل مؤجل خلافا لاستخدام الهاتف الجوال.

لا معنى للتفكير في هيكلة دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية قبل تحديد الاستراتيجية الاتصالية كما يعني أنه لا بد في الوقت نفسه من التعجيل بضبط الممارسات الاتصالية

وقد بررت رشيدة النيفر ذلك بأنه لا يمكنها الرد على المكالمات عبر الهاتف الجوال عندما تكون في اجتماع مثلا وهو أمر يتصل مرة أخرى بضبابية وظائف الدائرة. فهل رشيدة النيفر مكلفة بالاتصال أم ناطقة باسم رئاسة الجمهورية أم مستشارة سياسية؟ إذا كانت مكلفة بالإعلام والاتصال فإن العلاقة مع الصحافيين تأتي بالضرورة على رأس اهتماماتها قبل الاجتماعات التي تقتضي منها إهمال العلاقة مع الصحافيين للاهتمام بمسائل سياسية.

ويترجم غياب الرد السريع في التعامل مع الصحافيين عن نظرة إلى العمل لا تتماشى مع وظائف مكلف بالاتصال في رئاسة الجمهورية. فقبل أسبوعين راجت شائعات ملحة عن نزع صور الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة من القصر ولم يكن بإمكان الصحافيين الاتصال بدائرة الإعلام والاتصال، إذ راجت تلك الشائعات في عطلة نهاية الأسبوع. هي أمور لا تنتظر لأن شائعة تجري مدة يومين دون رد عاجل تصبح أصدق من الواقعة.

ومقبولية مطالب الصحافيين هي قدرة دائرة الاتصال على تذليل الصعوبات كلها لمدهم بالمعلومات ولتمكينهم من أداء مهنتهم على أكمل وجه. فالتعلل بمنع عدد من الصحافيين من تغطية ندوة الرئيس التونسي والرئيس التركي بأن الزيارة “غير معلنة” ليست مشكلة الصحافيين، كما أن التعلل بالإجراءات الأمنية لا يستقيم كذلك طالما أن عددا منهم حضر الندوة الصحافية وهي مشكلة تتصل مرة أخرى بالتوفيق بين الأهداف والوسائل. فإذا كان الهدف هو المساواة في التعامل مع الصحافيين كلهم فعلى الدائرة أن تستنبط الحلول لذلك.

وليس من الشفافية في شيء أن تدلي المكلفة بالاتصال بتصريح لوكالة الأناضول للأنباء عن زيارة الرئيس التركي في حين تبخل بذلك على مؤسسات إعلامية تونسية نشر بعضها تذمرا في شأن ذلك بلغ حد السخط أحيانا. وقد ذكر بعض الصحافيين أن مؤسسات إعلامية تونسية أخبرت الخميس عن بيان الرئاسة، الذي ينفي دخول تونس في محور حكومة السراج، قبل نشر البيان في موقع الرئاسة.

والشفافية تذهب إلى ما وراء ذلك، فهي قرين الوضوح والصدق والمسؤولية. إن حديث مصالح الاتصال عن زيارة غير معلنة لا يقنع أحدا كما لم يقتنع أحد بزيارة قيس سعيّد غير المعلنة إلى سيدي بوزيد في 17 ديسمبر لإحياء ذكرى الثورة. فالشفافية في الخطاب الاتصالي تقتضي أن نسمي الأمور بمسمياتها لا كما اجتهدت المكلفة بالاتصال في 20 ديسمبر في الإذاعة التونسية في تبرير ما قاله قيس سعيّد من كلام خطير عن التآمر بأن الرئيس لم يلق خطابا بل ألقى كلمة. فهل يقول كلاما في الخطاب وغيره في الكلمة؟

هيكلة دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية مثل الاتصال الحكومي عموما أمر عاجل كان قيس سعيّد تحدث عنه في الحملة الانتخابية. أن تكون مؤسسة بلا اتصال خير لها من اتصال لا يستجيب لمقومات المهنة، فضرره أكبر من نفعه.

18