ضبط الإعلام المصري يفرض مزيدا من الرقابة والتضييق

جدل كبير يدور بشأن القواعد الجديدة لتنظيم المؤسسات الإعلامية حول كونها تستهدف الإصلاح أم فرض المزيد من الرقابة والتضييق.
الاثنين 2020/03/02
قيود جديدة على الصحافة

القاهرة - دخل الإعلام المصري مرحلة جديدة من التنظيم، بعد أن بدأ العمل رسميا، باللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الصحافة والإعلام، ولن تكون هناك صحيفة ورقية أو موقعا إلكترونيا غير مرخص، على أن يتم غلق كل الإصدارات المخالفة التي تصدر وتبث من  مصر، في مهلة أقصاها ستة أشهر.

ومن المتوقع غياب الكثير من الإصدارات الورقية والإلكترونية التي لن تتمكن من توفيق أوضاعها، بحكم القواعد الصارمة التي حددتها اللائحة التنفيذية، ولاسيما ما يرتبط بطبيعة التمويل والعاملين وعدم استطاعة توفير المبالغ المالية الكافية التي تقدمها نظير الترخيص.

ويدور جدل بشأن القواعد الجديدة لتنظيم المؤسسات الإعلامية حول كونها تستهدف الإصلاح أم فرض المزيد من الرقابة والتضييق، حيث يقول مجلس تنظيم الإعلام إنها خطوة ضرورية لضبط المشهد، في حين يرى معارضون أنها تقود لتوسيع رقعة السيطرة على الإعلام.

ومن شأن التطبيق الحرفي للائحة أن يتسبب في غلق المؤسسات التي تتلقى تمويلا مشبوها، لأن تقديم الوثائق الخاصة بمصادر الدعم المادي جاء على رأس اشتراطات منح التراخيص وتوفيق الأوضاع لقطع الإمدادات الخارجية التي تستهدف الدولة.

وحظرت القواعد الجديدة، تصوير الأماكن العامة دون الحصول على تصريح مسبق من المجلس الأعلى للإعلام، ما يتناقض مع التغيرات الراهنة بضرورة التعاطي مع الأحداث بشكل سريع، وسحب البساط من تحت أقدام منصات التواصل كي لا يكون لها السبق في الصورة والخبر.

وبناء على ذلك، أصبح على المصور الصحافي الحصول على ترخيص مسبق بالتصوير في الأماكن العامة من جهتين، الأولى مجلس تنظيم الإعلام، والثانية وزارة الداخلية، وإذا كان الموقع المراد تصويره له اشتراطات أمنية يصبح التصوير مهمة شبه مستحيلة.

المفارقة، أن القواعد الجديدة لتنظيم العمل الإعلامي، صدرت بعد يومين من هجوم مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، على جهات رسمية لم يسمها، وقال إنها تعمل على “تكميم الأفواه والوقوف ضد حرية الرأي والتعبير والمصادرة على العاملين في المهنة”، في حين أنه رفع تقريرا إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي في يناير الماضي، أكد فيه أن الإعلام “يتمتع بحرية واستقلالية كاملة”. وتطرقت بنود اللائحة إلى حظر البث المباشر لأي وسيلة إعلامية، قبل الحصول على تصريح مسبق بذلك، ما يقضي على ميزة هامة كانت تعتمد عليها المواقع الإلكترونية لمنافسة منصات التواصل التي أصبح الناشطون فيها يستخدمون البث وسيلة لتوثيق الخبر.

القواعد الجديدة لتنظيم العمل الإعلامي، صدرت بعد يومين من هجوم مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، على جهات رسمية لم يسمها

وقال خالد برماوي، الباحث والخبير في الإعلام الإلكتروني، إن التضييق على التقاط الصورة والبث المباشر لا يخدمان تنظيم المشهد الإعلامي، بقدر ما يقدمان خدمة مجانية لمنصات التواصل الاجتماعي لتقوم بدور الإعلام البديل والحر الذي ينشر كل شيء دون رقابة. وأضاف لـ”العرب” إن “أغلب بنود اللائحة غير قابلة للتطبيق لأنها تصطدم بالمستجدات السريعة في الإعلام، فمثلا، لم تعد الصورة بحاجة إلى معدات مثل الماضي، ويكون بسهولة التقاطها بكاميرا الهاتف المحمول، وللأسف بعض القواعد الجديدة تخاطب الماضي”.

وتظل الإشكالية الأكثر تعقيدا في ترخيص الصحف الإلكترونية، أنه يشترط أن تكون نسبة 70 في المئة من هيكلها التحريري أعضاء في نقابة الصحافيين، بينما النقابة لا تمنح عضويتها للمحررين الإلكترونيين، والتمسك بهذا الشرط يعني اقتصار الترخيص على المواقع المملوكة للصحف.

ويرى متابعون، أن غياب المرونة في ما يرتبط بنوعية الصحافيين العاملين في المواقع الإلكترونية، ينذر بغلق الكثير منها، في ظل وجود عشرات من هذه المنصات تعتمد بشكل شبه كامل على صحافيين متدربين، ورغم ذلك أحدثوا إضافة مهنية في المشهد الإعلامي.

وأكد برماوي، أن هناك فرقا شاسعا بين ضبط المشهد الإعلامي وتقييده، ولن يتم القضاء على الفوضى الصحافية بمحاصرة التغريد خارج السرب بذريعة أن أغلبهم من غير الأعضاء في نقابة الصحافيين، وما يحدث يلجّم بعض الشيء لكنه يصب في صالح منصات خارج السيطرة.

يُشترط الترخيص للصحيفة دفع 250 ألف جنيه (نحو 17 ألف دولار)، مقابل 50 ألف جنيه (نحو 4 آلاف دولار) للموقع الإلكتروني.

ورأى عمرو بدر، رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحافيين، ورئيس تحرير موقع “الصورة”، أن إلزام الصحف بدفع مبالغ مالية كبيرة نظير الترخيص ضد حرية الإصدار، ويقضي على فرص التنوع، لأنه يخدم أصحاب الكيانات الكبيرة التي تنظر إلى المؤسسات الصغيرة على أنها ضاعفت أزماتها.

ويقول داعمون لخطوة التقنين، إن توسيع اشتراطات الترخيص يمهد لتصفية المواقع الإلكترونية التي يديرها هواة ودخلاء على المهنة.

وأبدى صحافيون في مواقع إلكترونية موافقة ضمنية على لائحة القانون، ليس بدافع أنها تُقصي الفوضويين، بقدر ما تفتح الباب أمام الترخيص للصحف الرقمية ويصبح المحرر الإلكتروني معترفا بشرعيته داخل نقابة الصحافيين التي ترفض منحه العضوية.

ويتطلب لتقنين الأوضاع أن يكون هناك هيكل مالي وإداري وتحريري واضح ومعلن، وسياسة منضبطة، مع إلزام الجريدة بطبع إصداراتها في مطابع داخل مصر مرخص لها بممارسة نشاط الطباعة، ما يعني فرض المزيد من الرقابة على المضمون قبل الطبع.

وأكد عمرو بدر أن إشكالية اللائحة التنفيذية لقانون الإعلام، تمنع أكثر ممّا تُنظم، وإن كان الهدف منها ضبط المشهد، فإن أكثر بنودها غير معاصرة وتزيد من عزوف الجمهور عن متابعة الإعلام المحلي.

18