ضبط الخطاب الديني يبدأ من منع تضارب الفتاوى

مكافحة التشدد لا تقتصر فقط على الجوانب الميدانية العسكرية، بل تمتد وتتوسع أيضا لتطال مسألة ضبط الخطاب الديني بكل ما يعنيه من فتاوى وتصريحات وتكفير ومواقف تتخذ الدين منطلقا لتلامس الوقائع السياسية وغيرها. ضبط مجال الإفتاء ضرورة ملحة يحتّمها أولا التضارب السائد بين الفتاوى، وتفرضها ثانيا حماية المجال من المتدخلين الذين يمكن أن يوظفوا “سلطة” الفتوى لغايات سياسية.
الأربعاء 2016/04/27
مؤتمرات وفعاليات لم تحل دون تواصل تضارب الفتاوى وضبابيتها

ثمة إصرار في الفترة الأخيرة، من علماء وفقهاء كثيرين على مطالبة البرلمان المصري بتشريع قانوني ينظم ساحة الفتوى، ويُوحد الجهة المختصة بإصدارها. لكن ماذا عن التناقض في فتاوى صدرت من دار الإفتاء أو من مشايخ يرتدون العباءة الأزهرية؟ وماذا عن التلاسن والاتهامات التي تخرج عن الذوق العام، ليثبت صاحبها صحة ما يفتي به؟ وكيف يتصرف المواطن البسيط إزاء تضارب فتاوى علماء ثقات؟

وهل يعلم هؤلاء أن تضارب فتاواهم ينال من مصداقية الخطاب الديني ويحدث لبسا لدى الناس؟ وهل يدركون أن ذلك أوصل بعض المجتمعات الإسلامية إلى حالة مأساوية من الشك في كل ما يُطرح؟

رصدت “العرب” فتاوى أثارت جدلا، صادرة عن الموقع الرسمي لدار الإفتاء التابع للأزهر الشريف في إطار إجاباته على المواطنين في أمور حيوية، تعارضت مع أخرى صادرة عن مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر. استدرك مجمع البحوث الإسلامية الأمر وأصدر بيانا أكد أنه لا يوجد تضارب في الفتاوى، بين المجمع والأزهر أو أي مؤسسات دينية أخرى. غير أن البيان لم يسمع به المُسْتَفْتى واستعصى عليه فهم وجود خلاف بين قامتين تابعتين لمؤسسة عريقة.

آمنة نصير، أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر وعضو مجلس النواب المصري، أكدت أنها مع توحيد الجهة المختصة بإصدار الفتاوى، بعد تضاربها بين أكثر من جهة. وقالت نصير لـ”العرب”، “إن فتوى واحدة خاطئة تلحق الضرر بالملايين من الناس الذين يعملون بها، خاصة أن حقل الفتوى دخل عليه من أساؤوا له.

وترى أن مواجهة ظاهرة انتشار الفتاوى وتضاربها يحتاج إلى وقفة من جانب كل المؤسسات الدينية بالدولة، ويحتاج أيضا إلى أن تصدر دار الإفتاء بيانا شهريا للقضايا الشائكة والفتاوى الخاصة بها، وعدم ترك الساحة للهواة من الشيوخ أو الدعاة.

اختلف علماء الدين خلال السنوات الماضية في حكم التعامل مع البنوك، حيث أفتى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الراحل، بتحريم الفائدة المحددة التي تصرفها البنوك نظير إيداع الأموال بها.

انتكاسة الفتاوى لها علاقة بالحالة السياسية السائدة، والداعية لا يستطيع عزل نفسه عما يدور حوله من أحداث

وقال إنها من قبيل ربا الزيادة المحرم شرعا، وأنه لا فرق في حرمة التعامل بالربا بين الأفراد والجماعات، أو بين الأفراد والدولة.

لكن الفتوى لم تلق تحريما من الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل، والدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية السابق، وخلفه الدكتور علي جمعة، وجميعهم أكدوا أن فوائد البنوك حلال شرعا.

وافقهم في الرأي شوقي علام مفتي الجمهورية الحالي، بل وحلل قروض البنوك من خلال تصريح له بأن “القرض المحرم هو الذي يستغل حاجة الناس، أما البنك فلا، لأن البنوك لا تحتاج إلى استغلال الناس″.

لم يُحسم الأمر عند هذا الحد فالدكتور يحيى إسماعيل، الأمين العام لجبهة علماء الأزهر، اعتبر تصريح المفتي اجتهادا فرديا لا يجوز الأخذ به. التضارب لم يأت فقط على مستوى المنتمين إلى دار الإفتاء، بل إن مجمع البحوث الإسلامية كان قد أعلن في عام 2002 أن فوائد البنوك حلال ولا تعد ربا.

لكن “العرب” رصدت في إجابته على أحد الأسئلة “أن الفوائد حرام حيث تعتبر تلك المعاملة من الربا”، وأن “ادخار المال في المؤسسات المالية على سبيل الوديعة دون أخذ الفائدة مباح شرعا” ثم عاد المجمع مرة أخرى إلى ما قاله منذ 14 عاما وأكد من خلال بيان له أن الفوائد ليست ربا وهي حلال.

وبرر الدكتور محيي الدين عفيفي، الأمين العام للمجمع، التناقض من الحرام إلى الحلال، بأن المجمع اختار أوسط الآراء الفقهية وأكثرها اعتدالا تحقيقا لمصالح الناس في دنياهم وأخراهم.

وأضاف أن هناك مستجدات تختلف وجوه النظر الفقهي فيها عند إنزال الأدلة الشرعية عليها، كما أن وجوه المصلحة فيها متفاوتة، وقد يخفى وجه منها في وقت، ثم يبدو بعد ذلك بالنظر والتمحيص فيختلف القول فيها.

عندما طلبت إحدى الشركات رأي الشيخ محمد سيد طنطاوي في التأمين، جاء رده “إذا كانت الشركة تهدف إلى تدعيم فكرة التكافل الاجتماعي فهو أمر محمود شرعا وعقلا ما دام هذا التدعيم يتم بطريقة شرعية تتوفر فيها العدالة والمساعدة للمحتاجين وذوي العاهات”. وافقه في ذلك الشيخ نصر فريد محمد واصل، مفتي مصر الأسبق، موضحا أن دار الإفتاء ترى أن التأمين بكل أنواعه ضرورة اجتماعية تحتمها ظروف الحياة، ولا يمكن الاستغناء عنه وأنه لا يوجد مانع شرعا من الأخذ بنظام التأمين بكل أنواعه.

صدور الفتاوى عن مؤسسات دينية رسمية ومن خلال الإعلام الرسمي زاد الأمر سوءا ووضع العديد من علامات الاستفهام في عقل المواطنين

وأوضح مراقبون لـ”العرب” أن انتكاسة الفتاوى وتضاربها لهما علاقة بالحالة السياسية التي تمر بها البلدان الإسلامية، والداعية لا يستطيع عزل نفسه عما يدور حوله من أحداث، وهو ما يؤدي إلى فتاوى متضاربة، أو مغرضة لنيل رضا النظام الحاكم.

وفي هذا السياق أوضح محمد فؤاد شاكر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس، أن التضارب أحدث تداعيات مجتمعية خطيرة تمس الدين الذي يشكل وجدان وحياة الكثير من المجتمعات الإسلامية.

وأضاف لـ”العرب” أن صدور الفتاوى عن مؤسسات دينية رسمية ومن خلال الإعلام الرسمي زاد الأمر سوءا ووضع العديد من علامات الاستفهام في عقل المواطنين. وهناك فتوى لشيخ الأزهر الحالي الدكتور أحمد الطيب بتحريم زيارة القدس، في حين دعا إلى زيارتها وزير الأوقاف السابق الدكتور حمدي زقزوق، وزارها بالفعل الشيخ علي جمعة عام 2012. الحاصل أن هناك أفرادا عملوا بفتاوى استقوْها من علماء أزهريين، ووقفوا الآن حائرين بسبب تحريمها من آخرين.

عثمان فراج، أستاذ علم النفس، ألقى بالمسؤولية على الإعلام، جراء تركيزه على هؤلاء الأفراد والشيوخ واستدراجهم إلى قضايا شائكة مثل الزواج العرفي وغيره لإبداء آرائهم فيها. وقال فراج لـ”العرب”، “يقوم الإعلام في بعض الأحيان بإخراج هذه الفتاوى من سياقها الحقيقي، ما يؤدي إلى تضاربها، ويعممها دون معرفة الضوابط والشروط والحدود بشأنها”.

تضافر جهود الأطراف المعنية لرصد الفتاوى ثم تنقيتها وتضييق الحلقة حول مصدريها، وقصر مسؤولية الإفتاء على الجهات المختصة من شأنه أن يقضي على تضارب الفتاوى. عبدالحي الفرماوي الأستاذ بكلية أصول الدين قال لـ”العرب”، “تضارب الفتاوى وإصدارها من دعاة غير مؤهلين له علاقة بالمشكلات الاجتماعية والظواهر الجديدة التي لم يتعامل معها رجال الدين من قبل”. يحدث هذا في غفلة من الهيئات والمؤسسات الدينية المختصة، ثم يأتي تحركها كرد فعل على إصدار غير المختصين للفتاوى، وتصدر رأيها بشأن القضية المثارة وهو ما يتناقض مع فتاوى سابقة، من هنا يحدث التضارب والفوضى.

ما يتجاهله الكثير من الدعاة أن الفتوى لم تعد فقط تواصلا بين المفتي والمستفتي، أو بينه وبين جماعة المسجد، فقد أصبحت في ظل التكنولوجيا الحديثة منهلا خصبا للكثيرين. ومن لم يدرس فلسفة سيغموند فرويد وفكر كارل ماركس وفلسفة العلمانية لا يستطيع أن يفتي في الغرب، لأنه لا يعرف فكر مجتمعه. من هنا جاء تأكيد خالد عمران، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، منذ أيام بتجديد وسائل الفتوى للتعامل معها بدلا من رفضها، وتأهيل المفتين بما يواكب مستجدات العصر.

وأشار إلى أن أحوال الفتوى اختلفت لتغير أحوال الناس والانفتاح على الشعوب، لهذا يستوجب أن يكون المفتي ملما بأقوال العلماء ومدركا للخلاف المذهبي بين المسلمين، وعارفا بما يفعله المسلمون في الدول الأخرى، وإلا ستكون الفتوى كحوار بين طرشان.

13