ضبط المصطلحات الثورية

الاثنين 2013/12/09

الناظر إلى الأوضاع في مصر من الخارج يتصور لأول وهلة أنها حافلة بالتنظيمات السياسية القوية، وغنية بالشخصيات والقيادات الحزبية، وأن البلاد لا تزال تقف على أرض عامرة بالحركات والجماعات المنظمة التي تعبر عن جوهر الثورة. لكن الناظر إليها عن قرب يجدها تغلي من السخونة السياسية، ومليئة بعناصر شبابية غاضبة، راغبة في التعبير عن المعاني الحقيقية لثورتي يناير ويونيو، إلا أنها قوى غير منظمة بطريقة كافية.

ومن يستمع إلى مصطلحات «قوى ثورية» و»تحالف ثوري» و»تنسيقية الثورة»، وكذلك «ناشط سياسي أو حقوقي»، يعتقد أن مصر تمتلك رصيدا كبيرا من العناصر المتغلغلة في قاع المجتمع، أو أنه جرى استخدام أسماء وصفات ضخمة لمداراة ضعفها.

وأنا أميل إلى التوصيف الثاني، لأنهم جميعا يفتقرون القدرة للوصول إلى الشريحة العريضة من المصريين. وكل جماعة نخبوية من تلك المجموعات، لا يتجاوز عدد أعضائها الناشطين في أفضل الحالات بضع عشرات من الأشخاص، فضلا عن أنها مصابة بكل الأمراض السياسية المعروفة. فقد لجأ البعض إلى رفع لافتة «ثوري» أو شيء من هذا القبيل، كواجهة إعلامية جذابة، أو وسيلة لتجنيد أعضاء جدد، أو مدخل للمشاركة المجتمعية، أو أداة للحصول على مكاسب وظيفية ومهنية.

أضف إلى ذلك، تغلغل سوس الانشقاق الذي ظهرت بوادره منذ ولادتها، لأن معظمها لم يخرج من رحم المعاناة التي أصابت البسطاء وظل متعاليا. فمثلا «الاشتراكيون الثوريون» حركة موجودة في مصر منذ عدة عقود وأفكارها يسارية، ومنحازة للفقراء نظريا، غير أنها لم تبذل جهودا كافية للوصول إلى هؤلاء، ناهيك عما لحق بها من انشقاقات، أغلبها بسبب التمويل المجهول، والتطرف في تطبيق الأفكار التي تميل إلى هدم المجتمع ومؤسساته وإعادة البناء من جديد. كذلك أصيبت حركة «6 أبريل» الشهيرة بخلافات جذرية أفضت إلى خروج حركات عديدة عنها، وابتعاد آخرين. وكان مصدر التمويل المجهول أحد الدوافع التي ضربتها في الشارع، وجعلتها مشبوهة في نظر كثيرين. وربما تكون الحملات الإعلامية الشرسة التي تعرضت لها أدت إلى التشكيك في أعضائها، لكن اقترابها من خطاب جماعة الإخوان المسلمين- مؤخرا- ضاعف من الشكوك في نواياها.

نعم الاقتراب جاءت قسماته الواضحة على خلفية رفض قانون التظاهر الجديد، لكن هناك تصرفات قامت بها بعض الحركات «الثورية» منحت الجماعة (أي الإخوان) قبلة للحياة السياسية، وجعلتها لا تواجه بمفردها السلطات الرسمية، فقد وقف معها فريق منهم في الخندق الذي تقف فيها عقب إزاحتها شعبيا من الحكم. الأمر الذي ضاعف من الهواجس حيال نشأة ما يسمى بـ»القوى الثورية» عقب اندلاع ثورة يناير 2011. ففي هذا التوقيت اتهم نظام حسني مبارك الإخوان بتأجيج الناس في الشوارع. وباختصار قيل أن الجماعة تقف خلفها. وهذا اتهام باطل، لأنها كانت ثورة المصريين جميعا. وحتى تتجنب الهلع الذي يمكن أن يصيب المجتمع إذا رسخ في وجدانهم أن الإخوان سببها، تعمدت التدثر برداء مجموعة من الشباب. فدفعت نحو توسيع المصطلحات الثورية. ونحتت بالتعاون مع آخرين، عن قصد منهم أو بحسن نية، ألفاظا تحمل معاني مختلفة لكلمة ثورة (قوى ثورية، تحالف الثورة، تنسيقية الثورة..). ومع كل لافتة مجموعة من الأشخاص والرموز، تكاد تكون هي التنظيم برمته.

الإخوان استفادوا سياسيا من التخفي وراء هذه اللافتات، ودفعوا في الخفاء أيضا نحو مطالب تفيدهم. وقد اعترف الإعلامي الإخواني أحمد منصور، أنهم كانوا «يدحرجون» المصطلح أو المطلب إلى الشباب في ميدان التحرير، لتبنيه والترويج له على اعتبار أنه أحد مطالب «الثوار». وكان أكثر المصطلحات رواجا «لا للمحاكمات العسكرية» و»يسقط يسقط حكم العسكر»، وهدفت الجماعة من وراء كلاهما إبعاد شبح المؤسسة العسكرية عن الحكم، لأنها العائق أمام نفوذها، وفي الوقت نفسه يتحقق رضاء لدى الشباب الأبرياء في رفض أي ديكتاتورية يتخيلونها، وتتحقق لدى الخبثاء فكرة إزاحة الجيش من المشهد، حتى يسهل السيطرة على المجتمع.

الحقيقة أن المسألة زادت عن حدها، وأصبح كل من ليس لديه عمل محدد من الشباب الذين مكثوا في ميادين الثورة، يطلق عليه لقب «ناشط سياسي»، وجنى البعض من وراء هذه الصفة مكاسب سياسية ومادية وإعلامية كبيرة. وتحول اللقب إلى ما يشبه التجارة، حيث تفرغ أصحابه الجدد لخدمته. وانتقلت العدوى إلى فئة من المحامين، فعدد من العاملين في هذا الفضاء حملوا رخصة (معنوية) بعنوان «ناشط حقوقي»، لأنهم اشتهروا بالدفاع عن المعتقلين والضحايا والشهداء من الشباب. وكانت هذه الوسيلة مدخلا لكثير من المنظمات الغربية التي تدافع عن حقوق الإنسان، بالحق والباطل أيضا.

وفي هذه الأجواء الملغومة اختلط الحابل بالنابل، وأضحى من الصعوبة الفصل بين شباب نقي وآخر مشكوك في ذمته. شباب يعمل لصالح مصر قوية وعفية، وشباب مضحوك عليه يحقق أجندة الإخوان الخفية. شباب مخلص لقضايا بلده وشباب يتآمر عليها لصالح قوى خارجية. لكن لا تزال الغالبية الكاسحة منهم غير منظمة، بعد أن كفر أصحابها بكل اللافتات الموجودة، وهؤلاء من يمثلون النقاء الثوري الحقيقي.

إذا كانت تصرفات الإخوان أضرت كثيرا بما يسمى «تحالف ثورة 25 يناير»، فإن تصورات وممارسات فلول الحزب الوطني المنحل حاليا، سوف تضر بما يطلق عليه «تحالف ثورة 30 يونيو» أيضا. فكما نجحت الجماعة وفلولها في توظيف الفريق الأول لمصالحها وتسببت في كشف وحرق معظم رموزه الشبابية، أخشى أن تؤدي محاولات فلول الوطني إلى تكرار السيناريو نفسه، وتفقد الثورة أنبل ما فيها من شباب «تمــرد».

لذلك مطلوب من المصريين التأني وعدم الإسراف في توزيع المصطلحات الثورية. وقد يقود تقنينها إلى ضبط كثير من الأمور السياسية، ومنع استخدامها كسواتر لأهداف لا تخدم المصلحة الوطنية.


كاتب مصري

9