ضجة في العراق تثيرها مطالبة إيران بتعويضات عن حرب الثماني سنوات

خبراء يعتبرون أن الحديث الإيراني عن التعويضات ابتزاز سياسي وهروب من الأزمات الداخلية والعقوبات الأميركية.
الخميس 2018/08/23
النبش في الماضي للهروب من أزمة الحاضر

عمان - يستمر النظام الإيراني في اتباع سياسة الهروب إلى الأمام وإلهاء الرأي العام الإيراني، وأيضا الخارجي، بقصص جديدة كلما اشتدت الوطأة عليه. ففي خضم الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية التي يمرّ بها النظام مؤخرا، تفاجأ العالم بمطلب إيراني غريب يتعلق بمطالبة العراق بتعويضات عن حرب الثماني سنوات، والتي انتهت بهزيمة إيران.

وأثارت مطالبة إيران العراق بدفع تعويضات تقدّر بأكثر من ترليون دولار عن حرب الخليج الأولى، ومناصرة سياسيين عراقيين من الأحزاب الشيعية لها في مطالبتها هذه، ضجة في الشارعين العراقي والعربي. وأجمع سياسيون ودبلوماسيون وبرلمانيون وحقوقيون عراقيون وعرب، في أحاديث لـ”العرب” على أن أي قرار أممي صدر بشأن تلك الحرب لم يتضمّن تعويضات يسدّدها العراق لإيران، محمّلين طهران المسؤولية في شنّ تلك الحرب والإصرار على استمرارها.

ووصفت تلك المطالبة بأنها نوع من الابتزاز السياسي لجأ إليه النظام الإيراني بسبب العقوبات الأميركية الجديدة وتزايد حدة الأزمة الاقتصادية داخل إيران واستمرار انتفاضة الشارع الإيراني. ويقول المحلل السياسي اللبناني علي المرعبي، إن إيران لا يحق لها مطالبة العراق بأيّ تعويضات حتى إذا صدق زعمها بأنه هو الذي بدأ الحرب، ولكنه طالبها بإيقاف تلك الحرب منذ الأسبوع الأول لاندلاعها وأصرّت هي على استمرارها ثماني سنوات بشهادة قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

ويوضح المرعبي أن العراق وافق على قرارات مجلس الأمن الداعية إلى وقف إطلاق النار بين البلدين، فيما كانت إيران ترفض جميع تلك القرارات وذلك كله موثق لدى الأمم المتحدة ووزارتي خارجية العراق وإيران.

وكان النائب الإيراني محمود صادقي قال إن العراق مدين لإيران بقيمة 1.1 تريليون دولار كتعويضات وخسائر الحرب بينهما التي عرفت أيضا باسم حرب الخليج الأولى (1988-1980)، فضلا عن تعويضات لخسائر حرب الخليج الثانية (1990 –1991) التي حرر فيها الكويت من غزو العراق لها.

ويُحمّل عبدالستار الراوي، السفير العراقي في طهران، قبل احتلال العراق سنة 2003، بصفته شارك في جانب كبير من المفاوضات التي جرت بين البلدين بعد انتهاء حرب الخليج الأولى، إيران مسؤولية استمرار الحرب ونتائجها، مؤكدا أن إيران لا يحق لها، وفقا القانون الدولي، المطالبة بأي تعويضات، بل يتعين عليها أن تدفع للعراق تعويضات كاملة عن سنوات الحرب كلها بالاستناد إلى أن العراق وافق على قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار منذ الأسبوع الأول للحرب ورفض إيران القرار الأممي.

ويعتبر الراوي أن مطالبة طهران بالتعويضات واحدة من الألاعيب الإيرانية لاستمرار “العصابة الحاكمة في بغداد”، بدليل أن الأحزاب الشيعية الحاكمة نفسها، المعروفة بارتباطاتها بإيران أيّدت طهران في مطالباتها. ويفسر عدم مطالبة العراق إيران بدفع تعويضات له بعد انتهاء الحرب بإعطائه الأولوية للملفات السياسية العالقة، وفِي مقدمتها الملف الإنساني، مثل تسوية ملف الأسرى، فلم يلتفت إلى موضوع التعويضات بوصفه ثانويا.

رفض إيران الاستجابة لقرارات الأمم المتحدة لوقف الحرب يجعلها هي المسؤولة عن دفع تعويضات كاملة للعراق بسبب ذلك

ويتفق سفير بغداد في مسقط، قبل الاحتلال فهمي القيسي مع ما ذهب إليه الراوي، مضيفا أن القيادة الإيرانية تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن جريمة الحرب، التي بدأتها في 4 سبتمبر 1980 إثر زحف قواتها العسكرية على الأراضي العراقية في سيف سعد وزين القوس وناي خضر واحتلالها ومهاجمة المدن والمنشآت الاقتصادية العراقية منها، فضلا عن مسؤوليتها عن إطالة الحرب برفضها جميع القرارات الدولية، لذلك فهي تتحمل التبعات الأخلاقية والقانونية بما فيها تعويض العراق عن خسائره الاقتصادية والمالية والبشرية التي لحقت به.

ومن جنيف، يصف الخبير القانوني الدولي ناجي حرج المطالبة الإيرانية بأنها هروب من أزماتها الداخليّة، ويقول إن رفض إيران الاستجابة لقرارات الأمم المتحدة لوقف الحرب يجعلها المسؤولة عن دفع تعويضات كاملة للعراق، منوّها إلى أن النزاع تحكمه قرارات صادرة من مجلس الأمن الدولي، وتاليا فإنه سيكون المعني بتحديد آليّة التعويضات والطرف الذي يقع عليه ذلك وليس حسب أهواء المسؤولين الإيرانيين، نافيا وجود أي أساس قانوني للمطالبة الإيرانية.

ومن جنيف أيضا، يؤكد عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العربي ماجد مكي الجميل أن ليس هناك في صالح إيران أي سند قانوني يمنحها حق المطالبة بالتعويضات، بل إن هناك حقائق ووثائق مدوَّنة وثابتة لدى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تُدين طهران في رفضها دعوات مجلس الأمن إلى وقف إطلاق النار، وإطالتها أمد الحرب.

وفي ذات السياق، تذهب مواقف نائب رئيس المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية باسل حسين والأمين العام السابق لبيت الحكمة في العراق قيس النوري ووزير الخارجية الأسبق الدكتور ناجي صبري الحديثي، الذين أكّدوا على أن مطالب النظام الإيراني بأنها مخالفة للواقع، بل إنه من حق العراق أن يطالب إيران بتعويضات عن سنوات الحرب التي رفضت طهران إيقافها.

ويصف النائب البحريني عيسى تركي المطالبة الإيرانية الجديدة بأنها نوع من الابتزاز السياسي لجأ إليه النظام الإيراني بسبب العقوبات الأميركية الجديدة وتزايد حدة الأزمة الاقتصادية داخل إيران واستمرار انتفاضة الشارع الإيراني، معللا هدف ذلك الابتزاز بدفع العراق إلى معارضة العقوبات الأميركية ضد إيران ورفضها من جهة، وتشكيل الحكومة العراقية المقبلة بما يتوافق مع المصالح الإيرانية، من جهة أخرى.

6