ضجيج الإعلام المصري الانتخابي لم يقنع المواطنين بالمشاركة

المشهد الانتخابي في مصر دفع فاتورة إهمال القنوات المحلية التابعة للتلفزيون الرسمي والتي فشلت في تعريف الناخبين بهوية المرشحين وتوجهاتهم السياسية.
الجمعة 2020/08/14
تغطية تقليدية لم تجذب المشاهد

لم تنجح الحملات الإعلامية المكثفة والدعوات المتواصلة لدفع المواطنين المصريين للمشاركة الكبيرة في انتخابات مجلس الشيوخ، حيث افتقرت إلى سياسة إعلامية توعوية تناسب المرحلة الحالية التي ينتشر فيها وباء كورونا، كما غابت المبارزات السياسية على الشاشات، وهو ما اعتبر من أسباب العزوف عن المشاركة الانتخابية.

القاهرة- فشلت جهود وسائل الإعلام المصرية في حشد المواطنين للمشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ، رغم الدعوات المكثفة وحملات التوعية التي اكتظت بها فضائيات وصحف وإذاعات الأيام الماضية، فيما يبدو أن الجمهور لم يجد رسالة إعلامية مقنعة تدفعه لدعم انتخابات أحاطت بها تحديات التباعد الاجتماعي.

ووثقت تقارير حقوقية وحزبية مشاركة محدودة من الناخبين الثلاثاء والأربعاء، وخشيت دوائر عديدة من زيادة الأصوات الباطلة جراء جهل المواطنين بطريقة التصويت السليمة وعدم درايتهم بالمقاعد الفردية المخصصة لكل دائرة، وزادت تعليماتها لوسائل الإعلام بإفساح مساحات كبيرة لتعريف المواطنين بعدد المرشحين المفترض انتخابهم في كل محافظة.

وأصرت وسائل الإعلام على السير في نفس الطريق الذي تستخدمه لتغطية الانتخابات في الظروف الطبيعية دون كورونا.

وركزت على الجوانب الإيجابية وإظهار الطابع الكرنفالي بالقرب من اللجان، ما جاء بنتائج عكسية لدى قطاع من الجمهور لديه قناعة بأن تلك الصورة تستهدف دفعه للانتخابات دون أن يعرف شيئا عنها.

وانعكس غياب التوعية الكافية على وسائل الإعلام لجهة فشلها في حشد الجمهور، وبدت كأنها تستدعي خطاب المشاركة والتثقيف في أوقات الانتخابات فقط، دون أن تكون هناك سياسة إعلامية تقوم على تشجيع المواطنين على المشاركة، مع غياب المبارزات السياسية على الشاشات، وهو ما اعتبر من دواعي العزوف.

وأخفق الإعلام في مهمته الجديدة التي هدفت الحكومة تحقيقها من خلال عودة منصب وزير الدولة للإعلام، وإعادة تشكيل الهيئات الإعلامية قبيل انطلاق الانتخابات، وهي خطوات كان الهدف منها وضع سياسة تفسح المجال أمام مختلف الآراء وتوعية المواطنين بالقضايا المثارة حولهم.

ويرى خبراء أن الخطوط العريضة التي أقرها وزير الإعلام أسامة هيكل للإعلام المصري لم تصل جيدا إلى وسائل الإعلام المحلية، ومضت في اتباع سياسة الترويج للإنجازات التي اعتادت عليها منذ سنوات، وخشيت أن ينعكس الوقوع في المحظورات على ما تقدمه من محتويات إعلامية، في وقت أضحى لدى الحكومة رغبة في استعادة ثقة الجمهور لاستشعارها خطورة اختطافه من قبل وسائل معادية.

وسائل الإعلام أصرت  على النهج القديم في تغطية الانتخابات وأظهرت الطابع الكرنفالي دون مراعاة  وجود وباء
وسائل الإعلام أصرت على النهج القديم في تغطية الانتخابات وأظهرت الطابع الكرنفالي دون مراعاة وجود وباء

ويرى رئيس جمعية حماية المشاهدين حسن علي، أن الجمهور تجاوز وسائل الإعلام التقليدية منذ فترة وأضحى ارتباطه الأساسي بمواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي فإن تكثيف حملات التوعية والحشد لن يأتي بنتائج إيجابية حتى وإن استمرت لفترات طويلة، وفشل الإعلام الحالي لا ينفصل عن سوء إدارة الحكومة للمشهد برمته.

وأضاف لـ”العرب”، أن ضجيج الإعلام لا يحقق توعية سياسية، وتقديم تغطيات متشابهة في جميع الوسائل يؤدي إلى عزوف الجمهور عن مشاهدة جميع هذه الوسائل، إلى جانب أن الإعلام تورط في تغطيته للانتخابات بتقديم رسائل متناقضة.

وسلطت وسائل الإعلام الضوء على مشاركة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية في انتخابات مجلس الشيوخ، في حين أن نفس هذه القنوات نادت ليلا ونهارا بضرورة إبعاد الدين عن السياسة، ودعمت نزول المواطنين للتعبير عن رأيهم في الانتخابات ووجهت اتهامات تتعلق بالتمويل والعمالة لأي شخص لديه وجهة نظر مخالفة للحكومة.

يبدو أن الكثير من المذيعين والصحافيين ليست لديهم خبرات في تقديم رسالة إعلامية متوازنة، كما أن غياب السياسة عن البرامج التلفزيونية أحدث تغييرا في نوعية المتابعين لها، وبالتالي فإن تكثيف الجرعات السياسية في أوقات الانتخابات لا يلقى استجابة من قبل جمهورها الذي أصبح اهتمامه بالترفيه والتسلية ومناقشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بالداخل كبيرا.

وقد لا يتعلق أداء الإعلام الضعيف بالحكومة وتوجيهاتها، بقدر ارتباطه بأداء من يقومون بتوجيه الرسالة، فأحيانا يغلبهم حماسهم للنفاق السياسي.

ولم تراع الجهات المسؤولة عن تنظيم العملية الانتخابية المتغيرات على نحو دقيق، وبالرغم من إتاحتها للدعاية على مواقع التواصل الاجتماعي فحملات التوعية التي كان من المفترض أن تقوم بها لم تشمل المنصات الإلكترونية، وركزت على الإعلام التقليدي، ما أحدث حالة من الانفصام بينها وبين المواطنين حتى أن تهديداتها بفرض غرامات على عدم المشاركة لم تلق صدى في الشارع مثلما كان الحال سابقا. وهناك مشكلات إجرائية تعاني منها وسائل الإعلام في أثناء تغطيتها، فلغة التحذير من ارتكاب أخطاء معلوماتية في نقل وقائع الانتخابات أو الاستعانة بمواقع التواصل الاجتماعي في أي حوادث تشهدها الانتخابات بدت غالبة على المسؤوليين عن المجلس الأعلى للإعلام، كجهة مسؤولة عن تنظيم الإعلام.

ويرى مراقبون أن الهيئات الإعلامية أسهمت في أن تكون هناك رسالة إعلامية واحدة في جميع الصحف والقنوات، لأن توجهاتها نحو تشكيل غرف عمليات لرصد مخالفات للتغطية الإعلامية جاءت سابقة على رغبتها في إتاحة وصول المعلومات الخاصة بعملية الاقتراع إلى الإعلاميين، ما أعطى انطباعا بأن ثمة رغبة في الحشد نحو النزول من غير التطرق للمشكلات التي مرت بها العملية الانتخابية.

أخفق الإعلام في مهمته الجديدة التي هدفت الحكومة تحقيقها من خلال عودة منصب وزير الدولة للإعلام، وإعادة تشكيل الهيئات الإعلامية قبيل انطلاق الانتخابات

وقال وكيل المجلس الأعلى للإعلام  صالح الصالحي، إنه سعى بالتعاون مع الهيئة الوطنية للانتخابات لمنع وسائل الإعلام بشكل تام من الحصول على المعلومات من وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أشكاله، لأن من وصفهم بـ”أعداء الوطن”، في إشارة إلى جماعة الإخوان، يحاولون بث الشائعات المغرضة عن طريقها.

وأوضحت أستاذة العلاقات العامة والإعلان بجامعة القاهرة نرمين خضر، أن الإعلام يبقى في النهاية أسيرا للمعلومات التي تتوافر له، وغيابها يتسبب في حالة ارتباك طغى على التغطية الإعلامية، لأن وسائل الإعلام لم تقم بدورها في تعريف الناخبين بهوية المرشحين والأحزاب التابعين إليها وتوجهاتهم السياسية بشكل كاف.

وأضافت في تصريحات لـ”العرب”، أن المشهد الانتخابي دفع فاتورة إهمال القنوات المحلية التابعة للتلفزيون الرسمي، لأنها كانت قادرة على أن تقوم بعملية توعية المواطنين في كل محافظة بمرشحيها، وهذه القنوات لعبت في السابق أدوارا مهمة في ترسيخ هوية كل محافظة لدى مواطنيها قبل أن تغيب عن اهتمامات الجمهور.

وأشارت إلى أن إعلانات الطرق ومواقع التواصل الاجتماعي حققت قدرا من الإيجابية على مستوى المرشحين الذين هدفوا لتعريف المواطنين بأنفسهم، لكن لا يمكن أن تقوم بأدوار التوعية السياسية التي تبقى من مهمة الإعلام التقليدي.

18