ضجيج الدبلوماسية الغربية لا يعكس إرادة جدية لإنقاذ الغوطة

الأمم المتحدة تضع المعارضة والنظام في خانة واحدة، وقوات الأسد تتقدم في الغوطة عبر اعتماد أسلوب القضم التدريجي.
السبت 2018/03/03
مصير الأسد على كف بوتين

دمشق - لم تهدأ وتيرة التصريحات المندّدة والمنتقدة لسلوك دمشق وموسكو منذ إطلاق قوات الرئيس بشار الأسد في 18 فبراير الماضي عملية عسكرية في الغوطة الشرقية المحاصرة، دون أن يسجل أي تحرك جدّي لوقف إطلاق النار باستثناء قرار أممي حرصت روسيا العضو الدائم في مجلس الأمن على أن يكون فضفاضا وغير ملزم لأطراف الصراع، ولا يزال حبرا على ورق.

وفي مكالمة هاتفية بينهما أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الأميركي دونالد ترامب أن “النظام السوري يجب أن يحاسب على التدهور المتواصل للوضع الإنساني في الغوطة الشرقية”.

وأضاف الطرفان بحسب بيان للمستشارية الألمانية صدر الجمعة أن “هذا ينطبق على استخدام نظام (الرئيس بشار) الأسد أسلحة كيميائية في الهجمات على المدنيين”.

 

هناك اعتقاد سائد لدى الكثير من المحللين أن الصخب الذي تحدثه الدول الغربية حول ما يجري في الغوطة الشرقية ليس الهدف منه سوى إحراج موسكو وتسديد ضربات سياسية في مرماها، دون أن تكون هناك رغبة حقيقية في اتخاذ إجراء رادع ضد النظام السوري لوقف انتهاكاته بحق المدنيين في المنطقة المحاصرة

ودعت ميركل وترامب موسكو إلى “وقف مشاركتها في عمليات القصف على الغوطة الشرقية وحضّ نظام بشار الأسد على وقف العمليات العسكرية ضد مناطق المدنيين”. كما حض المسؤولان موسكو وطهران ودمشق إلى تطبيق “فوري” لقرار مجلس الأمن.

وفي اتصال آخر شدّد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على أنهما لن “يتسامحا” في حال ثبت استخدام أسلحة كيميائية.

وطلبت واشنطن الخميس من مجلس الأمن الدولي تشكيل لجنة جديدة للتحقيق في استخدام أسلحة كيميائية، تكون مدتها سنة ومهمتها “تحديد المسؤولين عن شنّ هجمات بالسلاح الكيميائي في سوريا.

وتكرّر منذ مطلع العام ظهور عوارض اختناق وضيق تنفس تحديدا في الغوطة الشرقية، كان آخرها في 25 فبراير حيث أصيب نحو 14 مدنيّاً بحالات اختناق، وتوفي لاحقا طفلان بينهم. وهدّدت دول غربية بينها واشنطن وباريس في وقت سابق بشنّ ضربات في حال توافر “أدلة دامغة” على استخدام السلاح الكيميائي.

ويرى مراقبون أن الهجوم الدبلوماسي على النظام السوري وحليفته موسكو وإثارة الملف الكيميائي مجددا، لا يعدو أن يكون سوى محاولة لإحراج روسيا وتسجيل نقاط سياسية في مرماها بيد أنه من المستبعد أن تكون هناك خطوات عملية لإنقاذ سكان الغوطة الذين يتراوح عددهم بين 350 ألفا و400 ألف، قتل منهم المئات حتى خلال الهدنة “الإنسانية” التي أعلنتها روسيا الاثنين لمدة خمس ساعات يوميّا، والتي كان الهدف، منها على ما يبدو الالتفاف على القرار الأممي، وأيضا الحدّ من الانتقادات الموجّهة للحكومة السورية بشأن الوضع الإنساني.

وقال مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد الحسين الجمعة إن الضربات الجوية على الغوطة الشرقية وقصف مقاتلي المعارضة لدمشق يشكّلان على الأرجح جرائم حرب ينبغي إحالتها إلى المحكمة.

واعتبر أنّ على مرتكبي الجرائم في سوريا أن يعلموا أنه يجري تحديد هوياتهم وأن ملفات تعدّ بهدف محاكمتهم جنائيا في المستقبل. واللافت أن المسؤول الأممي ضمّ فصائل المعارضة إلى خانة النظام في ارتكاب تجاوزات ترقى إلى جرائم حرب وهذا تطوّر لافت يشي بالكثير.

ويشير المراقبون إلى أنّ موسكو تبدو جادّة في السير قُدما في العملية العسكرية في الغوطة مع الأخذ بعين الاعتبار اعتماد سياسة القضم التدريجي لتجنّب سقوط المزيد من المدنيين حتى لا يشكّل ذلك مادة دسمة للغرب لـ”شيطنة” روسيا، على حدّ قول أحد المحللين الروس.

وتمكّنت القوات النظامية السورية المدعومة بميليشيات إيرانية، من السيطرة حتى الآن على قريتي حوش زريقة وحوش الضواهرة في منطقة المرج على المشارف الشرقية والجنوبية الشرقية من الجيب الذي تسيطر عليه المعارضة.

ويطرح الموقف الغربي الضعيف إزاء ما يحدث في سوريا وبالخصوص في الغوطة الشرقية نقاط استفهام عدة عن أسبابه: هل يعود ذلك إلى خشية من الدخول في مواجهة عسكرية مع روسيا أم أن الغرب وبخاصة الولايات المتحدة ليس لديها الرغبة في الانخراط أكثر في الأزمة وهي مكتفية بما حققته من سيطرة على جزء كبير من شمال سوريا وصولا إلى شرقي نهر الفرات؟

الأمير زيد بن رعد الحسين: الضربات على الغوطة وقصف المعارضة لدمشق يشكلان جرائم حرب
الأمير زيد بن رعد الحسين: الضربات على الغوطة وقصف المعارضة لدمشق يشكلان جرائم حرب

وينتصر بعض المحللين إلى الرأي القائل بأن الدول الغربية تتجنّب مواجهة مباشرة مع روسيا التي تبدو مصرّة على حماية النظام السوري، وليس أدلّ على ذلك من التصريحات اللافتة التي أدلى بها الرئيس فلاديمير بوتين مؤخرا في خطاب “استعراض قوة” حين قال إن بلاده “ستردّ فورا على أيّ هجوم نووي عليها أو على حلفائها أو هجوم بالسلاح التقليدي على القوات الروسية، مع كل ما يترتّب على ذلك من عواقب”.

وهذه المرة الأولى التي يتحدث بها بوتين بهذه اللهجة الحاسمة والحادّة، التي أراد من خلالها توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة على وجه الخصوص بأن أيّ استهداف لحلفائها هو استهداف مباشر لموسكو وستردّ عليه، وهذا ينطبق على النظام السوري.

وتعتبر روسيا نظام الأسد الوحيد القادر على الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في سوريا، ليس ذلك فقط، فعبر بوابة دمشق ترنو موسكو إلى تعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، متطلعة إلى تشكيل نظام دولي جديد متعدّد الأقطاب، ينهي زعامة واشنطن.

ويوضح باحثون أن روسيا في بداية تدخلها في سوريا في سبتمبر 2015 كانت تهدف إلى حماية نفوذها في هذا البلد والحفاظ على موطئ قدم لها على البحر المتوسط تؤمّنه قاعدة طرطوس في محافظة اللاذقية، مع الأخذ في الاعتبار الاعتقاد الروسي بأن سوريا هي الجبهة المتقدّمة للحيلولة أمام انتقال عدوى “الربيع العربي إليها”، وهي التي عانت من “الثورات الملوّنة” التي حدثت على جنباتها، وتتهم الغرب بافتعالها لتقويض أمنها القومي.

وبعد النجاحات التي حققتها في سوريا والموقف الغربي الذي بدا عاجزا عن مجاراتها باتت تتطلع روسيا إلى تحقيق أهداف ذات طموحات أبعد وأعمق وفي مقدمتها فرض نفسها مجدّدا كقطب قادر على مزاحمة النفوذ الأميركي. ومن هذا المنطلق تبدو روسيا التي تتحضر لانتخابات رئاسية من المرجّح أن يفوز فيها فلاديمير بوتين بولاية جديدة، عازمة على الذهاب بعيدا في الحفاظ على نظام بشار الأسد، وهذا ما يفسّر حالة التردّد السلبي للغرب في سوريا.

في مقابل ذلك يشير كثيرون إلى أن الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى كان تدخّلها في سوريا حتى قبل التدخّل الروسي غير مقنع وتكتنفه حالة من التردّد وتجلّى ذلك في العديد من الأحدث ومنها مجزرة الغوطة في العام 2013، واليوم تبدو واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترامب مكتفية بما أنجزته في الشمال السوري والشرق حيث أنها فرضت عبر تحالفها مع الأكراد وجودا ثابتا لها في المنطقة الغنيّة بالثروات الطاقية والزراعية، ومن خلال هذه الوجود يمكن أن تساوم لتحقيق مكاسب عندما يصل الجميع إلى قناعة بضرورة الجلوس على الطاولة والبحث عن تسوية جديّة للصراع.

2