ضجيج السلام وصخب الحرب في إسرائيل

الاثنين 2016/05/23

في الوقت الذي بدأ الحديث عن السلام يرتفع على استحياء من بعض النوافذ السياسية، وجه بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية ضربة قاسية للجهود التي ظهرت عبر القناتين الفرنسية والمصرية مؤخرا، وقرر تولي اليميني أفيجدور ليبرمان زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” حقيبة الدفاع في حكومته، الأمر الذي يوحي بتغليب خيار الحرب على السلام.

ضم ليبرمان المعروف بتطرفه للحكومة، والذي ظهرت معالم تصرفاته عندما تولى حقيبة الخارجية، وهدد بضرب السد العالي في جنوب مصر، ينطوي على رسالة مناقضة تماما لما أبداه نتانياهو من إشارات إيجابية، عقب ساعات قليلة من حديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن استعداد بلاده للوساطة وتسوية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.

موقف رئيس الحكومة المتجاوب مع نداء السيسي، بدا كأنه يعلم بالخلفيات والأهداف، وربما كان على علم مسبق بما جرى طرحه في مصر، ولديه رغبة في التجاوب التكتيكي على الأقل، لقتل المبادرة الفرنسية للتسوية السياسية، حيث أعلنت تل أبيب التحفظ على بنودها، وحتى لا يبدو نتانياهو رجل حرب فقط، حرص على الإشادة بعرض الرئيس المصري في هذا التوقيت، ما فتح باب الأمل في تقدير بعض الدوائر، بأن القاهرة سوف تشهد زخما سياسيا خلال الفترة المقبلة، وأن قطار التسـوية يمكن أن يغادر مرحلـة الجمـود التي دخلها.

التفاؤل جاء من رحم عدد من المعطيات، أبرزها أن الطرح المصري لم يكن بعيدا عن التوجهات الأميركية الساعية إلى إنهاء عصر الرئيس باراك أوباما ولو بنصر معنوي في المنطقة، بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات السياسية، وهو ما يمكن أن يوفر قوة دفع لتحركات القاهرة المنتظرة، كما أنه ينسجم مع المرامي النهائية للمبادرة الفرنسية، لذلك عندما تحدث السيسي لم يعتبر ما قاله طرحا مستقلا، وكل التوصيفات الرسمية التي أطلقت على كلامه تحاشت الإشارة إليه باعتباره مبادرة، وحرصت على وصفه بأنه “خطوة مكملة”.

كما أن التجاوب السريع من جانب إسرائيل مع نداء السيسي، والتحفظ الظاهر على المبادرة الفرنسية، وفرا فرصة بأن تل أبيب يمكن أن تركب قطار التسوية مرة أخرى، على طريقة القادة المتطرفين فيها، وهي الدخول في مفاوضات طويلة مع الفلسطينيين دون تقديم تنازلات، ليظل هناك إيحاء بأن العملية السياسية مستمرة.

هذه المسألة أضحت هدفا في حد ذاته، حيث تحقق لجميع الأطراف الرئيسية جانبا من أغراضها، فالإدارة الأميركية مشغولة بضرورة تسليم الدفة للرئيس القادم في هدوء، ومصر تشعر بأن الوقت مناسب لركل الكرة في ملعب التسوية، والسلطة الفلسطينية تعتقد أنها مقدمة على فرصة للهجوم بالسلام البارد، قبل أن تنهار تماما.

أما رئيس وزراء إسرائيل فيؤكد، ولو باستعداده فقط للحديث عن التسوية، أنه رجل سلام، ويجعل من الضجيج المصاحب له تجارة رائجة قد تكون كفيلة بأن تخرس الألسنة التي تنتقده، وتضعه ضمن زمرة المتشددين، ويمنح الفلسطينيين أملا سياسيا جديدا، ربما يمنعهم من الإقدام على إشعال انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية.

في هذه الأثناء قفز نتانياهو للإسراع بضم ليبرمان إلى حكومته، لتوظيفه في التوافق مع من يتبنون خيار الحرب على الدوام، ويخفف من وطأة أي خطوات سياسية يقدم عليها، ولو مضطرا، مع الطرح المصري، فوجود زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” كرمز للتشدد سوف يكون كفيلا بتقليص حدة الانتقادات والمزايدات في الداخل، وإشارة إلى عدم الاستعداد لتقديم تنازلات جوهرية، إذا دخلت التسوية مرحلة جدية، وفي حالة ممارسة الولايات المتحدة بعض الضغوط على إسرائيل، يخرج نتانياهو الكارت الأحمر، ويترك ليبرمان يملأ الدنيا صخبا.

النقطة المحورية في جميع الاجتهادات والحسابات، أن إسرائيل تملك يدا طولى على الساحة الإقليمية، والتطورات الساخنة في المنطقة تصب في صالحها، حيث منحتها قدرة نادرة على التفوق، وإذا كانت رفضت من قبل التجاوب مع متطلبات السلام وهي محاطة بتحديات عربية صلبة نسبيا، فلماذا تستجيب لنداء التسوية حاليا وتملك حزمة كبيرة من الأوراق، وفي زمن بلغ التردي العربي حدا مؤسفا؟

الحاصل أن إسرائيل الآن لن تعلن صراحة رفض أي مبادرة للسلام، لكن الدروس التي قدمتها تؤكد أنها تستطيع قتل مئة مبادرة من داخلها، ونسف أي طرح للتسوية بأساليب متنوعة، لتتجنب مواجهة صدامات مباشرة مع أصحاب المبادرات والطروحات.

وتبقى هي كأنها “حمامة السلام”، لتقليص الحد الأدنى من الطموحات الفلسطينية، دون أن تستجيب لها تماما، لكن للتمهيد وخلق أمر واقع جديد يقضي على المسلمات والبديهيات السابقة التي ينطوي عليها خطاب التسوية العربي، والذي لن يبقى منه سوى ضجيجه في إسرائيل.

بينما يظل صوت صخب الحرب هو الأقوى، بعد تولي ليبرمان حقيبة الدفاع، فإذا كان خطابه عندما تولى وزارة الخارجية متعجرفا ومليئا بالعداء للعرب والفلسطينيين بشكل خاص، فما بالنا عقب ترؤسه وزارة حافلة بالصقور؟

نعم جزء أساسي من التقديرات التي بنيت عليها مشاركته في الحكومة له علاقة بتطورات الداخل الإسرائيلي، والضغوط التي يتعرض لها حزب “الليكود” الذي يقوده نتانياهو، لكن أيضا هو رسالة فاضحة على أن خيار الحرب أقرب من السلام، ومن يفكرون في التسوية عليهم عدم تجاهل هذه الحقيقة، وضبط البوصلة على ما تريده إسرائيل إقليميا، لأن المعادلة التقليدية (الأرض مقابل السلام) لم يعد لها مكان، والواقع الجديد أفرز معادلات جديدة تخدم إسرائيل.

استخدام نتانياهو سياسة الأداتين، أي السلام والحرب، مفاجأة متوقعة من قادة إسرائيل، فقد ظهرت معالمها في جميع الحكومات المتعاقبة، بصرف النظر عن كون الاتجاه الغالب يمينيا متطرفا أو يساريا معتدلا، فالكل مشغول بتخفيض سقف الأحلام الفلسطينية، وتخريب رهانات أي أطراف إقليمية أو دولية، وطالما توازنات القوى تميل باقتدار لصالح إسرائيل، فسوف يكون من الصعوبة الحديث عن تسوية حقيقية، حتى لو عقدت مؤتمرات دولية واستؤنفت العملية السياسية.

كاتب مصري

9