ضجيج وتقليد وترفيه وسياسة في مسابقات اكتشاف المواهب 2015

شهد عام 2015 تخمة غير مسبوقة في مسابقات اكتشاف المواهب، وفرضت هذه البرامج نفسها على خرائط القنوات الفضائية، وتحولت إلى موضة العام تقريبا، فتكاثر عددها، وتعددت القنوات التي تقدمها، وهرع الفنانون للمشاركة في لجان تحكيمها، الأمر الذي أثار سخرية الكثيرين حتى وصفها البعض بـ”فاترينات فنية لجني الأرباح”.
الخميس 2015/12/31
لجنة امتحانات آخر العام

قالت مصادر فنية لـ“العرب” إن السياسة لم تعد بعيدة عن مسابقات اكتشاف المواهب في 2015 التي باتت مزدحمة أكثر من اللازم، وألقت بظلالها على اختيارات بعض الفائزين، وأيّد هذا الفريق وجهة نظره بفوز الفلسطيني محمد عساف بلقب “آراب أيدول” لعام 2013 كدعم لقضية وطنه، وحصول السوري حازم شريف على اللقب ذاته في عام 2014 كنوع من المؤازرة للثورة السورية.

وفي العام نفسه حصد العراقي ستار سعد لقب الأفضل في “ذي فويس”، وفهم من ذلك أيضا أنه تأكيد على عروبة العراق، التي تريد إيران السيطرة عليه.

وجاء فوز المتسابقة الأردنية المحجبة نداء شرارة منذ أيام بلقب أفضل مطربة في الموسم الثالث من “ذي فويس”، وفهم على أنه بمثابة دحض عملي للفكرة التي ظلت تطارد هذه البرامج، واتهامها بأنها موجهة ومموّلة من جهات تريد طمس الهوية الإسلامية لقطاع كبير من الدول العربية.

لم يستبعد الإعلامي المصري خليل فهمي البعد السياسي في غالبية برامج المسابقات الفنية، مشيرا لـ“العرب” إلى أن انتشارها المكثف هدفه التغطية على نتائج ثورات الربيع العربي، وتوصيل رسالة تؤكد هذه الثورات وجلبها الدمار لشعوبها.

وأشار فهمي إلى بعض المفارقات، ومنها وجود مشاركين من الدول التي تشهد أزمات طاحنة وحروب، مثل سوريا والعراق وفلسطين، في تلك البرامج، وهو ما يؤكد الرسالة السلبية ضد الربيع العربي، فبعض الدول تدعم وتمول بشكل غير مباشر البرامج المستنسخة، لجذب انتباه الشباب العربي بعيدا عن قضاياه السياسية.

وأبدى الإعلامي المصري اندهاشه من الحجم المادي والزمني لتلك البرامج على القنوات العربية، حيث يفوق بشكل كبير نظيراتها التي تعالج الأحداث السياسية على الأرض.

إحياء للنعرة القطرية

في هذا السياق، قال حسن علي رئيس جمعية حماية المشاهدين لـ”العرب” أن تلك البرامج تعمل على إحياء النعرة القُطْرية والتنافس بين المتسابقين وفقا لجنسياتهم، فهناك تعصب من المصوتين لصالح المتسابق الذي ينتمي إلى بلدهم، وأحيانا يقوم البعض بالاتصال أكثر من ثلاثين مرة بأسماء مختلفة لتأييد مرشح من موطنه، كذلك التصويت عبر وسائل الاتصال الاجتماعي يتمّ بأكثر من حساب، وهو ما يعتبر غشا لاختيار متسابقين فائزين لمجرد أنهم حصدوا أعلى الأصوات.

المتسابقة الأردنية المحجبة نداء شرارة جاء فوزها بلقب (ذي فويس 3)، وهو دحض للفكرة التي ظلت تطارد هذه البرامج

هناك من ذهب إلى أن هذه البرامج هدفها المعلن اكتشاف مواهب صوتية غنائية، لكن في الحقيقة أن القائمين عليها لهم طموح كبير للوصول إلى أعلى متابعة جماهيرية قصد زيادة عدد الرعاة، ولا يعنيهم اكتشاف المواهب الحقيقية، الأمر الذي يفسره التعاقد مع نجوم وفنانين لهم جاذبية عند المشاهدين.

خبراء في المجال الإعلامي أوضحوا لـ”العرب” أنه لا يجوز اكتشاف مطرب عن طريق مثيل له، دون وجود شاعر أو ملحن، يستطيع تقييم الصوت، فأعضاء التحكيم أنفسهم تمّ اكتشافهم على يد شعراء وملحنين.

وقال صفوت العالم أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ”العرب” إن عدم ارتقاء المحكمين لمستوى الاحترافية، ووجود ما يتحكم في اختيار الفائز كالشكل والأسلوب والجنسية والمعلن، أصاب بعض المتخصصين والمشاهدين بالإحباط وعدم الثقة، فالتحكيم في تلك المسابقات مسؤولية لدى ضمير صاحبه.

وأوضح حسن علي أن افتقاد لجان التحكيم للمعايير الفنية في الاختيار والاقتصار على نجم غنائي أو فني مشهور يمثل كارثة حقيقية ومهزلة، وقد ظهرت لبعضهم تصرفات سلبية، كانفعال أحدهم أو الانحياز لمتسابق (أو متسابقة) إعجابا بتسريحة الشعر أو جمال الشكل أو حسن ملبسه أو رقة التعابير.

في المقابل، هناك من دافع عن هذه المسابقات، ورأى أنها تنطوي على بعض الإيجابيات بما يفوق السلبيات.

فالناقد الفني المصري خالد محمود، الذي حل ضيفا على برنامج “مذيع العرب” قال لـ“العرب” إن بعض البرامج تفيد الساحة الفنية، لأنها بحاجة ملحة لكل جديد ومتميز، وهذا النوع من البرامج فرصة جيدة لاكتشاف مواهب حقيقية من مختلف أنحاء الوطن العربي.

وأضاف هناك بالفعل أسماء خرجت من رحم تلك البرامج مثل محمد عطية نجم الموسم الأول من “ستار أكاديمي”، ولحق به العديد من الفائزين في برامج مختلفة منهم، إيساف، وكارمن سليمان، وديانا كرازون، ومحمد عساف، كلها أسماء عرفها الجمهور من تلك البرامج.

عساف.. وسط المياه دون سترة نجاة

أما مشاركة الفنان في مثل هذا النوع من البرامج، فاعتبرها محمود خطوة تضيف إلى رصيده الفني، واستمرار دوره كنجم مشهور داخل دائرة الضوء، لأنه يحاول تقديم واكتشاف مواهب تدعم الساحة الفنية العربية، وهذا الدور سبق وأن قام به الموسيقار الراحل كمال الطويل، والموسيقار الراحل محمد الموجي.

اللافت للانتباه أن معظم برامج المسابقات التي أذيعت خلال السنوات الماضية كانت مقتبسة من دول غربية، ومقتصرة على اكتشاف المواهب الغنائية، لكن عام 2015 شهد برامج أفكارها مستحدثة وغير مستنسخة.

برنامج “مذيع العرب” الذي تألفت لجنة تحكيمه من الإعلامية منى أبوحمزة، والممثلة ليلى علوي، والإعلامي طوني خليفة، وعُرض عبر شاشة أبوظبي والحياة المصرية، يُعدّ أول برنامج عربي يهدف إلى البحث عن أفضل مقدّم تلفزيوني بين مختلف أرجاء العالم العربي، وبالفعل فاز المصري خليل جمال باللقب في يونيو 2015، وتعاقدت معه قناة الحياة لتقديم برنامج “خلاصة الكلام”.

وظهــر أيضـا برنامج “نجمة العرب” في موسمه الأول لإيجاد موهبة تمثيلية شابة تحمل صفات الممثلة نبيلة عبيد، وقد عُرض على شاشتي روتانا وأل بي سي.

وأضيف إليهما برنامج “آراب كاستينغ” لاختيار أفضل ممثل وممثلة من مختلف البلدان العربية، وتألفت لجنة تحكيمه، المكونة من الممثلة المصرية غادة عبدالرازق، وكارمن لبس والسوريين قصي خولي وباسل خياط، وأسدل الستار على موسمه الأول منذ أيام بفوز زبير بلحر من الجزائر وجيهان خليل من المغرب بلقب أفضل ممثل وأفضل ممثلة.

برامج أخرى أعيد عرضها في مواسم جديدة مثل “ذي فويس” في موسمه الثالث عبر شاشة إم بي سي مع لجنة تحكيم مكونة من المصرية شيرين، والعراقي كاظم الساهر، والتونسي صابر الرباعي، واللبناني عاصي الحلاني وفازت فيه المطربة الأردنية نداء شرارة.

بين التأييد والرفض

الآن وبعد مرور أكثر من 13 عاما على بدء تدفّق تلك النوعية من البرامج هل نجحت في تأدية المأمول منها تجاه الموهبة والجمهور؟ ولماذا تكرّر بعض البرامج نفسها سنويا؟ وهل ما زالت المساحة تتّسع لكلّ هذا الكمّ الهائل منها؟

الناقد الفني محمد حبوشة قال لـ“العرب” إن بعض هذه البرامج هدفها الحقيقي الرغبة في اكتشاف الموهبة الحقيقية، كبرنامج “فنان العرب” على قناة دبي الذي يشارك فيه الفنان محمد عبده.

واعتبر أن برنامج “أراب كاستينغ”، نجح في تحقيقه لنتائج ملموسة على الأرض، لأنه اكتشف 20 ممثلا ضمن التصفيات النهائية، وأكد مصداقية الجهة المنتجة “كلاكيت ميديا” بعد مسارعة صاحبها إلى توفير فرصة ظهور للفائزين بلحر وجيهان في الدراما التي تنتجها الشركة في مسلسلين هما “جيران” و“الحرملك”.

دعمته في الرأي الإعلامية حنان يوسف، وقالت لـ“العرب” إن هذه البرامج حققت نجاحا كبيرا من زاوية نسبة المشاهدة العالية واجتذاب قطاعات كبيرة من المشاهدين في العالم العربي، إضافة إلى تحقيق مكاسب مادية كبيرة ناتجة عن حجم الإعلانات الضخمة.

كارمن سليمان موهبة تدعم الساحة الفنية العربية

وأشارت يوسف إلى أنه بسبب وجود منافسة كبيرة بين تلك البرامج، اجتهد البعض لتحقيق النجاح، وجذب المشاهدين وإخراجهم من الضغوط اليومية، وبالفعل كانت متنفسا ترفيهيا لهم واتسمت بالإثارة والمتعة والتجديد.

ومع ذلك يرى الإعلامي خليل فهمي أن تلك البرامج تقليد لبرامج أميركية وأوروبية، وأصبحت موجودة الآن في كثير من دول العالم، وتتخذ أشكالا أكثر حدة في الإثارة.

وأوضح أن هناك جزءا مفقودا بها، وهو الموسيقى التراثية التي تعكس الزمن الجميل في مجال الغناء، خاصة الأغاني الشرقية الأصيلة، حيث اختفت تماما وحلت محلها أنواع من الموسيقى والغناء يؤديها المتسابقون، وتعتمد على المزج بين الغناء الشرقي والألحان الغربية مثل موسيقى الروك والجاز، لذلك يقبل عليها العديد من الشباب.

وعاب فهمي على هذه البرامج، الافتعال الذي يصاحبها أحيانا، لتحقيق الإثارة وجذب الجمهور، مثل اصطناع الشجار بين نجمين يقدمان البرامج، كما حدث بين راغب علامة وأحلام، والشجار بين شيرين عبدالوهاب وعاصي الحلاني.

وافقه في الرأي الخبير الإعلامي ياسر عبدالعزيز، وقال لـ”العرب” إن أغلبية برامج المسابقات واكتشاف المواهب العربية تكاد تكون نسخة طبق الأصل من برامج المسابقات العالمية، ومعظمها إن لم يكن كلها لا يحتوي على إعداد جيد في ما يخص الفكرة والإخراج وتكتيكات التنفيذ.

ووجـــه يــاسر عبدالعزيز اللوم لهذه البرامج لخضوعها في حسم النتيجة لاعتبارات السوق أكثر من اعتبارات الجودة، فالتصويت لا يعتمد على فكرة معيارية، لكنه يعتمد على حشد المؤيدين، وإخفاق بعض البرامج في اختيار لجان التحكيم، ينتج عنه اختيار عناصر سيئة للفن والمهنة.

وأضاف عبدالعزيز أن لجوء الفنانين لأنماط أداء حادة ومفتعلة لجذب الانتباه وسرقة الكاميرات، يسيء للعملية بأكملها، ويصرف الجمهور عنها. وفي هذا الخصوص، قال محمود علم الدين أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة لـ“العرب” إنها تروج لأنماط قيمية غربية لا تتناسب وقيم المجتمعات العربية الأصيلة في الانتماء والعروبة والأخلاق، لذلك تسير في الاتجاه العكسي لمؤسسات التنشئة الاجتماعية، إلى جانب تقليدها لبعضها، فعندما نجح برنامج “ستار أكاديمي” تبعه برنامج “عرب أيدول” وغيره، دون أن تكون للعمل بصمة وشخصية مميزة.

مسيسة أم لا

في تقدير محمود علم الدين أن الإعلام الخاص إما أن يكون مسيّسا ويعالج القضايا السياسية، وإما يبتعد عنها وينغمس في القضايا الاجتماعية والترفيهية بشكل واضح من خلال برامج مسابقات لا تستفيد منها إلا القنوات المنتجة لها، والفنانون أعضاء لجان التحكيم، فتلك البرامج تنجح في استغلال أذن المشاهد، وجذب عينيه عبر الدعاية ورعاة من الشركات الكبرى.

وهنا قال أن غلبة الجانب الإعلاني والتجاري في تلك البرامج على الجانب الفني والمهني يرجع لسيطرة شركات الإعلانات عليها، ومنها شركة “أنطوان شويري” التي تعتبر مخترع برامج المسابقات في العالم العربي.

ورأى بعض الخبراء أن هناك انحيازا لبرامج المسابقات للفنانين من دول خليجية على حساب دول عربية أخرى، كما أن الميزانية المرصودة لتلك البرامج تصل إلى 7 مليارات دولار منها 6.2 مليار دولار تنفق على برامج المسابقات في قنوات خليجية، بينما الـ800 مليون دولار الباقية توزع على القنوات الأخرى، وترعى الشركات العالمية الكبرى مثل “بيبسي” و“كوكاكولا” ومارلبورو” برامج المسابقات في القنوات الخليجية، في حين نجد أن برامج المسابقات في القنوات المصرية تعتمد على الإعلانات المحلية، لذلك تتميز برامج المسابقات في القنوات الخليجية عن غيرها.

رغم ذلك كله فإن تلك البرامج وجدت حالة انتشار ونجاح فسرها علم الدين بأنها مفضلة لدى قطاعات الشباب، لأنهم يجدون فيها الإثارة والتشويق والتغيير والتمرد على النمط اليومي، علاوة على المنافسة الحادة التي تجذب المشاهدين، مع تزايد حالة الفضول لدى المشاهد في معرفة النتيجة والمتسابق الفائز.

ومع ذلك لفت حسن علي الانتباه إلى نقطة أخرى، وهي أن انتشار هذه البرامج أيضا جاء كرد فعل على برامج “التوك شو” السياسية التي تتسم بالتدهور الشديد والتلاسن بالألفاظ والعراك والصياح، الأمر الذي جعل المشاهد العربي، والشباب خصوصا ينفر منها ويتجه إلى برامج مسابقات التسلية.

16