ضحايا الديمقراطية

أزمات لم يجب عنها أصحاب العمليات السياسية في عالمنا العربي فهم يعرفون من سرق بلدا يطالب مواطنوه بالماء للشرب والوضوء والكهرباء كي يدرس أبناؤهم على المكيفات لا "المهفات اليدوية".
الخميس 2018/09/13
"حكم الشعب" هو جوهر الديمقراطية

كنت ومازلت أظن أن بلدان العالم لم تتبار من خط شروع واحد، كي نؤمّن معيارا واحدا لانطلاقتها وفوزها من عدمه.

البلدان التي وصلت إلى معيار الحكم الديمقراطي لم تقدم لها الديمقراطية بإزاحة حاكم ديكتاتور وتنصيب آخر يؤمن بفكرة “حكم الشعب” وهو جوهر الديمقراطية، فأي شعب نراه اليوم مثالا يحتذى به في نظامه الديمقراطي يشعر مواطنوه بأنه ممثل في الحكم وليس السلطة، وأن النظام العام هو نتاج تضحيات وقناعات وأفكار وفلسفات انصهرت في بوتقة نظام مؤسسي قادها لترسيخ فكرة تداول السلطة السلمي، والوصول إليها بتقديم الأفضل الذي يقتنع به الناس ويذهبون للإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع لينتجوا برلمانا يمثلهم.

الفكرة ليست بهذه البساطة في معايير العالم الذي ينادي بالديمقراطية وهو يقف عند لحظة تاريخية يحكم فيها نظاما آخر أقوى من المؤسسة الديمقراطية، وأطغى من شكلياتها كالنظام العشائري والديني والأحزاب التي تشهر السلاح وتشكل ميليشيا داخل الدولة التي تشترك في عمليتها السياسية، ولكن حين يقوم الشعب منتفضا للتعبير عن مطالب مشروعة جوهرها تأمين أساسيات الحياة، والخدمات في مقدمها، فإن كل الحديث السابق لتلك المكونات عن أحلام الديمقراطية الوردية يتبخر لتجب تلك الحشود الغاضبة التي تطالبهم بالإصلاح، وتتوقف كل المثل والدعوات والتصريحات وتتغير الوجوه لتكشر عن أنيابها اللا ديمقراطية ويصبح الناس عملاء، أجراء، مدسوسين، مغررا بهم، إلى أن يصلوا إلى كونهم دواعش ويطلق عليهم الرصاص، لمجرد أنهم يطالبون بخدمات توفير الماء والكهرباء وتحرق البنايات من خلفهم من أياد لا يعرفون مصدرها.

المؤسسات الحاكمة في أغلب بلدان العالم المسمى بالثالث تجّير السلطة لها لتكون حكرا مطلقاً إلى الحد الذي تعبر فيه عن أقصى مراحل الديمقراطية بمصطلح يَجِبُ كل الدعوات الوردية بـ”ما ننطيها”!

يا سلام كيف لا تعطيها وأن جوهر الاتفاق السياسي في دستور البلاد الذي وقعت عليه يقر بالتداول الحر للسلطة!

الأزمة أعمق من كل ما تقدم، فإن مزاوجة ما هو ديني بما هو دنيوي – سياسي تضع أفضليات إلهية للسلطة الدينية “الثيوقراطية” لا يمكن التفاضل بينها وبين أصحاب المشاريع الديمقراطية الممثلة بالأحزاب المدنية، فإن حدث تقصير فاضح وسرق الفاسدون المال العام، هل نكتفي بالطبطبة على ظهورهم، وخيرها بغيرها أم نحاسبهم ونودعهم السجون باسم الديمقراطية والقانون وبصيغ الدستور المدني، والقانون الجنائي الذي يطبق على الجميع؟

إنها أزمات لم يجب عنها أصحاب العمليات السياسية في عالمنا العربي فهم يعرفون من سرق بلدا يطالب مواطنوه بالماء للشرب والوضوء والكهرباء كي يدرس أبناؤهم على المكيفات لا “المهفات اليدوية”.

24