ضحايا يروون عذاب قوارب الموت: الخطر في سوريا أرحم

الأربعاء 2013/12/11
السوريون الهاربون من أخدود الحرب في بلادهم.. مأساة طال الطريق إلى حلّها

لم تنشأ أزمة "جواز السفر السوري" منذ أيام فقط، إنها أزمة قديمة متجدّدة، يستخدمها النظام ضد معارضيه كيفما شاء وعلى هواه.

من يذكر أحداث حماة في العام 1982، يذكر جيدا مأساة من هرب خارج سوريا، ليجد نفسه فجأة مجرّدا من جنسيته. لكن الإخوان المسلمين استطاعوا في تلك الأيام استصدار جوازات سفر معترف بها من بعض الدول، كالأردن، والخليج العربي، ممّا سهل لهم عملية الحركة، على عكس ما هو حاصل اليوم مع المعارضة السورية رغم الدعم الهائل لها، ماليا وسياسيا (كاعتراف الجامعة العربية، ودول، وكيانات أخرى بهم)، فضلا عن أن حجم المأساة أكبر بكثير من مأساة العام 1982.

بعد شعار "الأسد أو نحرق البلد"، حاول النظام ترسيخ شعاره الأثير الثاني: "سوريا الأسد"، وهذا يستدعي استبعاد كل من قام على الاستعباد في بلد دفع أهله ما دفعوا لإسقاط هذه العناوين.

وقد أصدر النظام السوري في 2 /10 /2013 تعميما إلى قنصلياته العاملة في الخارج يحمل الرقم (12941/س) لتسهيل عملية منح وتمديد جوازات السفر للسوريين في الخارج، وهو تعميم يدل على أن النظام كان قد عقّد إجراءات الحصول على هذه الوثيقة في إطار حربه على الشعب السوري.

وانعكست مأساة جواز السفر سلبا على جزء كبير من الشعب السوري الذي وقع فريسة الرِشوة والتزوير والاحتيال للحصول على هذه الوثيقة. لا بل إن "مبادرة" الرئيس السابق "للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" أحمد معاذ الخطيب، نصت في أحد بنديها على تسهيل منح جوازات السفر للسوريين في الداخل والخارج.


سوريا أرحم


كعيّنة على المآسي التي يعانيها الشعب السوري، نصح أحد السوريين الواصلين إلى السويد برحلة بحرية انطلقت من ميناء الإسكندرية المصري تهريبا إلى إيطاليا، أصدقاءه على إحدى مجموعات موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بالتالي: "لا تفعولها، لو كنت أعلم أن هذا ما سيواجهنا لما فعلتها أبدا".

وعند سؤاله عن التفاصيل قال لـ"مؤسسة أنا ANA للإعلام: "خرجنا حوالي (80) شخصا بين أفراد وعائلات، وبعد أيام من الجوع والإرهاق على متن القارب المكشوف لأشعة الشمس، حدث ما لم يكن في الحسبان. بدأ القارب بالغرق، قفزنا منه، ومن يعرف السباحة بدأ بالابتعاد عن القارب، كان هذا منتصف النهار تقريبا.

تشتت شمل من كان على متن القارب وبدأ من يعرف السباحة بالبحث عن طريقه، ذهبنا في اتّجاهات مختلفة. كان معي (7) شبّان، كنا نسبح ببطء لا نعرف أين نتّجه، حتى بدا لنا ما يشبه الوهج المنبعث من كثافة أضواء بعيدة جدا، اعتقدنا أنه سراب، لكننا مضطرون إلى السباحة نحوه، بعد ساعات قليلة تأكّدنا أننا نقترب من الخلاص. إنّه الشاطئ الذي ما إن اقتربنا منه حتى هجم علينا خفر السواحل ليقتادنا إلى أحد أقسام الشرطة، كانوا يتكلّمون بصوت عال وكأنهم يشتموننا، ثم بدؤوا بضربنا حتى وصلنا إلى مركز الشرطة الذي احتجزنا به ليومين. بعدها عرفنا أننا وصلنا إلى إيطاليا. كنا ننام على الأرض ونعامل بطريقة سيئة للغاية، بعدها نقلونا إلى أحد مخيمات إيواء اللاجئين، هربت أنا وإثنين ممن جاؤوا معي، اتصلنا بأصدقاء لنا ليساعدوننا على الوصول إلى السويد، وهذا ما حصل فعلا. أنا الآن في استوكهولم، ولو عاد الزمان شهرا إلى الوراء لما فعلتها أبدا".

انعكست مأساة جواز السفر سلبا على جزء كبير من الشعب السوري الذي وقع فريسة الرِشوة والتزوير والاحتيال للحصول على هذه الوثيقة


مشاكل حقيقية


معظم السوريين المشردين شرقا وغربا يواجه مشكلة حقيقية بسبب توقف النظام السوري عن منح جوازات السفر، وتعقيد إجراءات تمديده، إضافة إلى ازدحامات هائلة أمام سفاراته وقنصلياته. فتكلفة الرحلة من الإسكندرية إلى إيطاليا، مثلا، تبدأ من (3000) دولار وقد تصل إلى (4000) دولار. وهناك عمليات نصب كبيرة تحصل في هذا المجال، يدفع الراكب المبلغ ويصعد إلى المركب وبعد ساعتين أو ثلاث يتم إنزاله بقوة السلاح إلى إحدى الجزر غير المأهولة على الشاطئ المصري ليتدبّر أمر عودته بمفرده، أو يعتقل ويوضع في زنازين الإسكندرية تمهيدا لتسليمه لسفارة النظام، أو ترحيله إلى جهة ثالثة يختارها إن كان محظوظا ولديه القدرة المادية.

وقد ازدادت عمليات السفر غير الشرعي باتّجاه أوروبا من مصر تحديدا بعد "ثورة 30 /6 /2013" بسبب شعور اللاجئين السوريين بانعدام الأمن، إضافة إلى إجراءات صارمة اتخذت بحقهم، منها على سبيل المثال فرض تأشيرة الدخول التي لم تكن موجودة قبل هذا التاريخ، إلى جانب التسفير التعسفي لبعض الناشطين وتسليم البعض الآخر للنظام السوري.

مشكلة أخرى واجهت اللاجئين وهي عمليات السرقة التي يتعرّضون لها. والمصادفة، إن أغلب السرقات التي يتعرّضون لها طالت جوازات سفرهم وأوراقهم الثبوتية. وعدد كبير من السوريين هائمون على وجوههم، وقد شُلّت حياتهم بسبب انتهاء مدة جوازات سفرهم أو فقدانها، فيما لم يُظهر النظام السوري تجاههم أية مسؤولية، باستثناء ترحيبه باستلام المطلوبين منهم. أما "المعارضة" فحدّث ولا حرج، استلمت سفارات في بعض العواصم: أنقرة، الدوحة، طرابلس الغرب، باريس، بودا بست، وغيرها ربّما على شكل "تنفيعة" لا عمل لها، إلا ظهور مسؤوليها على وسائل الإعلام، للشجب، والاستنكار، والتنديد. ما حصل مع الشاب السوري الذي غادر إلى استوكهولم، وتعرّض لما تعرّض. حاصل بالضرورة مع الشعب السوري برمّته. ليس هنالك إلا الأمل ولو كان سرابا، عدم الإلتفات إليه، يعني تيها جديدا. لكن من أين يأتي الأمل؟

في نفس الفترة التي عمّمت فيها وزارة داخلية النظام، البرقية رقم (12941/س) لتسهيل منح جوازات السفر، أعلنت الخارجية السويدية عن ترحيبها بأي سوري تطأ قدماه أرض السويد، وستقوم السلطات بمنحه الإقامة الدائمة التي سيحصل بموجبها على الجنسية السويدية خلال ثلاث سنوات.

والجدير بالذكر، أن كافة الدول الأوروبية ملتزمة بالقانون الدولي الذي ينص على عدم جواز وجود أي مواطن على أراضيهم دون جنسية، أي أن هذه الدول ملزمة بمنحه الجنسية ما لم تعترف به بلاده، فالقانون الدولي الخاص ينص في الفصل الثاني منه على التالي:

1 - لكل فرد الحق في أن تكون له جنسية منذ الولادة وحتى وفاته باعتبار أن الجنسية حق ملازم للشخصية التي تبدأ بالولادة وتنتهي بالوفاة.

2 - عدم جواز نزع الجنسية عن الشخص تعسفا لأن الدولة لو ترك لها أمر تجريد الشخص من جنسيته بشكل مزاجي وتعسفي لأدى ذلك إلى هدم حق الشخص في أن تكون له جنسية، وبالتالي حرمانه من الحقوق التي ترتبها الجنسية للشخص مدنيةً كانت أو سياسية، ولهذا فقد قيدت مسألة تجريد الشخص من جنسيته بشروط واعتبارات سياسية أو قومية أو أدبية أو اجتماعية.

بصرامة تلتزم أوروبا بهذه القوانين، فيما استسهل النظام قبل أيام تسريب إشاعة مفادها "حرمان كل سوري حمل السلاح من جنسيته".

والمعروف أن إجرام ميليشيات النظام أجبر عشرات الآلاف في سوريا على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، فضلا عن أن مثل هذا القرار لو اتّخذ فعلا، سيكون كغيره من القرارت السابقة، كيفيا وتعسفيا ولا يعتبر قانونا يُعتَدُّ به لأسباب تبدأ بطريقة اتخاذه من حيث الشكل، ولا تنتهي بمضمونه، لكنها تدلّل على طريقة النظام في التعامل الانتقامي مع شعبه.

6