ضحك المشيب برأسه فبكى

نحن لا نحتاج إلى الصباغ لنبدو أصغر سنا بل إلى إعادة النظر في مفهومنا لكبر السن.
الجمعة 2018/08/10
تقبل طبيعة المراحل العمرية يجعل رحلة الحياة مبهجة

لم يجد ابن الجيران الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، حلا للشعر الأبيض الذي غزا رأسه وهو ما يزال صبيا، غير حلقه تماما، وفضل أن يكون أصلعَ وليس أشيبَ، على الرغم من أن الأمرين سواء، وكلاهما لا يستدعي الشعور بالنقص أو الاستياء.

من حسن الحظ أن حلق الشعر على “الزيرو” موضة سائدة بين نجوم الفن والرياضة، الذين اقتدى بهم العديد من الرجال والأطفال، وإلا لما كان هذا الصبي قد اهتدى إلى هذا الحل، وبقي الأمر بالنسبة إليه عقدة نفسية تنغص عليه حياته، رغم أن المسألة برمتها أبسط ما يكون.

مشكلة هذا الصبي أنه وجد نفسه استثناء بين زملائه الذين ضايقوه بالسخرية ومناداته بـ”الشايب” أي المسنّ، وأيضا لم يتورع الجيران عن سؤال والدته في الكثير من المناسبات وأمامه عن سبب ظهور الشيب في شعره قبل أوانه، كما لم يجد داخل الوسط الأسري والمدرسي ما يبدد إحساسه بالاختلاف.

سخرية الأتراب وفضول الجيران وتطفلهم، بالإضافة إلى غياب التصالح الاجتماعي مع الشيب، وحالة الرفض العامة للشعر الأبيض، ومحاولة الكثيرين تغطيته بالصباغ، خوفا من نظرة الآخرين وهروبا من سنوات العمر التي أفلت، جعلت الصبي لا يستسيغ الأمر وينظر إلى نفسه على أنه غريب الأطوار، ما جعله يحاول جاهدا التخلص من ذلك الكابوس، ولو عن طريق التخلي عن شعره بالكامل.

يوجد الملايين ممن يعانون من غزو الشيب لرؤوسهم في سن مبكرة، والسبب يرجعه العلماء في غالب الأحيان إلى عوامل وراثية، خاصة إذا ظهر على شكل شعيرات متفرقة، وقد يكون أيضا ناتجا عن ضغوط نفسية شديدة، أما في الحالات التي يظهر فيها على شكل خصلات كبيرة، فهناك عدة احتمالات لإصابة الصبي بالبهاق، أو لوجود خلل في الهرمونات، كفرط أو ضعف نشاط الغدة الدرقية، وفي جميع الحالات يجب عرضه على المختصين للتأكد من السبب الحقيقي.

لكن معرفة السبب قد لا تبطل الشعور بالنقص الذي قد ينتاب الصبي ويمكن أن يجعله عرضة للكثير من المشكلات النفسية، وكل ذلك لما يسمعه من تعليقات وتصرفات رافضة للشيب، أو نظرات في عيون الناس توحي له بالريبة والاستغراب، رغم أن المسألة بسيطة ولا يجب تهويلها.

استحضر هنا صدر بيت شعر للشاعر العباسي دعبل الخزاعي يقول فيه “ضحك المشيب برأسه فبكى”، لأنني أجده متطابقا تماما مع كيفية تعاملنا مع الشيب والخوف المبالغ منه، إلى درجة أن النساء يخشينه أكثر من خشيتهن من الأمراض الخطيرة التي تسببها بعض الصباغ، وكذلك يفعل الكثير من الرجال.

نحن لا نحتاج إلى الصباغ لنبدو أصغر سنا بل إلى إعادة النظر في مفهومنا لكبر السن وإذا نظرنا عن كثب للجمال الكامن في لون الشيب، لأدركنا أن الفنان العراقي ناظم الغزالي، كان محقا حين غنى قصيدة الشاعر العباسي المستنجد بالله “عيرتني بالشيب وهو وقار/ ليتها عيّرت بما هو عار/ إن تكن شابت الذوائب مني/ فالليالي تزيّنها الأقمار”.

بعبارة أخرى، لا يوجد ما يمكن أن يساعدنا على إبطال ظهور الشيب، لكن من خلال التصالح معه وتقبل طبيعة المراحل العمرية المختلفة، بما تتضمنه من مراحل صعود وهبوط، سيكون بمقدورنا على الأقل جعل حياتنا وحياة الأجيال من بعدنا رحلة مبهجة.

21