ضحك على الذقون

دعاة هذا الفن الذين اكتسحوا السوق خانوا الإرث الدوشامبي، فهمّهم الأول هو الكسب المادي، بينما كان دوشامب يغذي هامشيته بأعمال تستفز الذائقة السائدة دون أن يسعى لتسويقها.
الخميس 2018/04/12
ثورة دوشامب تحولت إلى حركة اتباعية

منذ أن تحدى مارسيل دوشامب الذائقة العامة بعمل استفزازي سمّاه "ريدي ميد" (أي الشيء الجاهز، أو المصنوع سلفا)، وأدعياء الفن يتنافسون في استنباط أشياء لا يراد من ورائها غير إحداث الصدمة، بالخروج عن المألوف ولو بشكل مجاني في العادة، دونما خلفية ثقافية أو رؤية فنية، وغالبا ما تتخذ تلك المبادرات أشكالا لا تخطر ببال.

من ذلك مثلا إقدام الإنكليزي ريان كالانان، الشهير بـ"ريكا"، على تعليق منحوتة تمثل ستورمتروبر Stormtrooper أي جنديا من جنود إمبراطورية المجرات في شريط حرب النجوم، مصلوبا كالمسيح، في كنيسة سانت ستيفن وولبروك بلندن، ما أثار غضب عبّاد تلك الكنيسة وكنائس أخرى كثيرة، انتهى بسحب النصب.

المثال الثاني من لندن أيضا، عن معرض خاص بالكلاب من إعداد الإنكليزي دومنيك ويلكوكس، الذي اعتاد الاشتغال على تحويل أشياء الحياة اليومية، قال إنه استوحاه من أنشطة الكلاب المفضلة، واستعان فيه بمجموعة من “الفنانين” أثثوا هذا المعرض بسلسلة من اللوحات والرسوم وأشرطة الفيديو وكل ما يرغب الكلاب في رؤيته.

أما المثال الثالث، فينتظر أن تحتضنه عاصمة الأنوار في شهر مايو القادم، وأن يكون مسرحه قصر طوكيو، معبد الفن المعاصر في باريس، والحدث ليس في المادة المقترحة التي تقع تحت عنوان "شقاق، بنات الليل"، ويركز فيها مجموعة من الفنانين على الحرب والتاريخ وأثرهما في الفن المعاصر، بل في الدعوة الموجهة إلى كل راغب في زيارة المعرض، والتي تشترط أن يكونوا عراة، كما خلقتهم أمهاتهم، بدعوى التجرد من كل شوائب الحياة المادية.

في كتابها “سراب الفن المعاصر”، تؤكد المؤرخة كريستين سورجان أن دعاة هذا الفن الذين اكتسحوا السوق خانوا الإرث الدوشامبي، فهمّهم الأول هو الكسب المادي، بينما كان دوشامب يغذي هامشيته بأعمال تستفز الذائقة السائدة دون أن يسعى لتسويقها. وتذكر برسالته التي بعث بها إلى صديقه هانس ريختر في نوفمبر 1962، وفيها يقول “رميت على رؤوسهم محمل القوارير والمبْوَلة كعمل استفزازي، وإذا هم يشيدون بما فيهما من جمال.”

في الموضوع نفسه، يقول مؤرخ الفن مارك بايار “لقد تحولت ثورة دوشامب إلى حركة اتباعية. والذنب ليس ذنبه، فظرفه واستخفافه واستهتاره كانت تنديدا بامتثالية القرن التاسع عشر، وإنما مردّ ذلك إلى أن السائرين على خطى مبتكر الريدي ميد لا يملكون سوى تصور لفظي، خال من الشكل والمعنى، هذر متضخم حول الخواء. والحال أن مجتمع ما بعد دوشامب يرفض أي صيغة للمعيار والنمط والنوع والهوية والحدود.”

15