ضد أميركا.. ومع آكلي لحوم البشر

الثلاثاء 2013/09/24

من يتابع تصريحات الكاتب/ المؤرخ محمد حسنين هيكل المتعلقة بالتحولات والمستجدات الأخيرة في المشرق العربي، يلحظ أن الرجل يتخذ من العداء للسياسة الخارجية الأميركية معيارا رئيسا وشبه وحيد لمعاينة الأمور والحكم عليها، وأن تغيير موازين القوى الدولية هو هاجسه الأكبر، من أجل عالم متعدد الأقطاب غير مرهون أو مرتهن لقطب واحد هو القطب الأميركي.

وهيكل في ذلك أمين على رؤية استراتيجية ثابتة يقيم عليها وما انفك يعبر عنها منذ عقود، في مؤلفاته وأحاديثه ومقالاته. وعلى ذلك تدور مقارباته حول الخرائط والمعادلات والتوازنات. وعلى ذلك أيضا تدور رؤاه حول موجة الربيع العربي، مع فارق واحد وجوهري وهو أن معاييره للربيع العربي لا تنسحب على الداخل المصري إلا بصورة طفيفة. إذ يبدو منشغلاً ومحكوماً في المقام الأول بالديناميات الداخلية للوضع في مصر وبالذات لتحركات الشارع، للرأي العام وللاتجاهات الشعبية، عشية ثورة 25 يناير وما تلاها، بصرف النظر عن المآلات المباشرة لهذه التحركات في أفق التحولات الاستراتيجية، فما يعنيه بالدرجة الأولى هو التغيير، تغيير نظام مبارك ثم نظام مرسي الذي ورثه وهو نظام الإخوان المسلمين. أما نظرية «تسليم المفتاح» للأميركان فهي تنطبق عنده خصوصا على دول أخرى مثل اليمن وتونس وليبيا. بينما يجري الترحيب بالتغيير الداخلي في مصر كمبدأ ونقطة ارتكاز، ليصار بعدئذ للدعوة إلى أن يتساوق هذا التغير مع الحاجة إلى استعادة مصر مكانتها الإقليمية والدولية.

الخميس الماضي 19 سبتمبر الجاري تحدث هيكل إلى محطة تلفزيونية مصرية (سي بي سي) حول التطورات في الملف السوري. انصب حديث هيكل على تبرئة النظام في دمشق من جريمة الكيماوي، وهو دأب الأستاذ هيكل في مقارباته للوضع السوري إذ يلاحظ كل شيء خارج سوريا، متغاضيا بصورة شبه متعمدة عن وجود شعب سوري عانى الأهوال وما زال يعانيها نتيجة تجرؤ هذا الشعب على المطالبة بالحرية والكرامة، أسوة بكل شعوب الأرض ومنها الشعب المصري العزيز.

وهكذا فإن التطرق لمجزرة الكيماوي وسقوط 1400 ضحية جُلّهم من الأطفال السوريين خلال ساعة واحدة، لا يثير لديه أبداً مشاعر استفظاع هذه الجريمة الكبرى، فما يعنيه هو فقط الإطار السياسي الفضفاض، وتأثير هذه الواقعة الدامية على مجريات الأحداث.

ينظر هيكل لهذه الواقعة من منظور الاستثمار الأميركي والغربي وحده. أما الواقعة بحد ذاتها فلا تستوقفه كثيرا. بل إنه يتحدث بإعجاب مستتر عن الكيماوي «سلاح الفقراء» مقابل النووي سلاح الأغنياء. وهو يرى أن سلاح الفقراء غير مجدٍ، أما استخدام هذا السلاح ضد الشعب فمسألة غير مرئية وغير مؤكدة. والفاعل مجهول والنظام مُستبعد تماما أن يرتكبها، ومن مات فقد مات.

هيكل الذي يلح دائما على النظر العقلي الاستنباطي للأمور، لم يلاحظ ولا يريد أن يلاحظ أن النظام هو الطرف الوحيد الذي يمتلك «سلاح الفقراء». هو الطرف الوحيد المؤهل لاستخدامه، وأنه أعاق وصول المفتشين في الأيام الأولى، وأن النظام لم يبال أبداً بسقوط الضحايا، وأن مؤيدي النظام وأدواته احتفلوا علانية في شوارع دمشق بالواقعة، والبشر المستهدفون في المنطقة المستهدفة هم في الغوطة شرق العاصمة دمشق حيث يبسط المعارضون نفوذهم، وحيث يُستهدفون على مدار الساعة من قوات النظام، ومعها قوات حزب حسن نصر الله وما تيسّر من قوات إيرانية وعراقية «تحرس» قلب العروبة النابض من شعبها.

بما أن أميركا ودول غربية أخرى تقدمت لاستثمار الواقعة، يجب إذن وفق منطق هيكل شحذ الأسلحة الأيديولوجية والسياسية والإعلامية للتصدي لهذا الاستثمار من أجل إفشال هذه الهجمة ومناصرة المستهدف بها، أما الشعب السوري نفسه فهو خارج اللعبة، بلا أي اعتبار وخارج كل حساب. لقد سقط منه نحو 120 ألف ضحية وتم تدمير مدن بكاملها وتهجير الملايين خارج الحدود لأول مرة في تاريخ سوريا، وفي تاريخ الشعوب على يد نظام البلد وليس على يد قوة خارجية. ذلك كله لا قيمة له عند الأستاذ هيكل، فـ»كلهم سفاحون» قال قاصدا الحكام العرب. وهو تقييم غير دقيق وتنقصه النزاهة، فالجرائم العظمى والعقوبات الجماعية التي ارتكبها النظام السوري لم يقترفها أي نظام عربي بما في ذلك نظام صدام حسين ونظام القذافي.

هيكل يعتبر ذلك كله «تفاصيل صغيرة»، إذ يريد أن يرى أين ستتموضع سوريا لاحقا بشعبها أو بدون شعبها، ومناط اهتمامه الوحيد هو النظام. والنظام الحاكم منذ 43 عاما نظام معاد لأميركا، أما إذا كان هذا النظام معادياً للشعب أضعاف أضعاف عدائه اللفظي لأميركا، فإن ذلك لا يستوقف هيكل الذي يعيد رسم الخرائط افتراضياً فتحل روسيا بوتين، روسيا الاستبداد والفساد والرأسمالية المتوحشة محل الاتحاد السوفياتي، وتحل الجمهورية الإسلامية الإيرانية محل يوغوسلافيا تيتو، والصين هي الصين حتى لو تحولت إلى تنين اقتصادي مع إدارة الظهر لكل شعوب الأرض وقضاياها.

يتمنى هيكل على الرئيس بشار الأسد أن لا يترشح لانتخابات منتصف 2014، وقد فات الأستاذ أن سوريا لم تشهد انتخابات بالحد الأدنى الشكلي من المعايير الدولية منذ 43 سنة، وفاته أن النظام القائم مسؤول عن تهديم بلد وتمزيق مؤسسته العسكرية وتهتيك النسيج الاجتماعي وتدمير البنى التحتية والفوقية، بما أضعف موقع سوريا أمام العدو الاسرائيلي وجعل من هذا الموقع في حالة انكشاف شبه تام، نشير لذلك ما دام هيكل يفصل فصلا تاما بين الحقوق الأساسية للشعوب ومنها على الخصوص الشعب السوري (23 مليونا) وبين الوضع الاستراتيجي للبلد في موازين الإقليم.

وفاته أيضا الانتباه إلى ما سيجري في المهلة المفتوحة حتى تسعة أشهر مقبلة من مواصلة تهديم البلد وتقتيل أبنائه وتشريدهم واستنزاف كل الثروات والموارد الوطنية، وهي «السياسة» الوحيدة التي اعتمدها النظام منذ 15 مارس 2011 حتى اليوم.

وإذ يتحدث الأستاذ عن عالم متعدد الاقطاب فقد فاته أن روسيا تنسج امبرياليتها الخاصة، وأنها وقفت ضد حقوق شعب البلقان وتقمع شعوب آسيا الوسطى وبالذات الشيشان (النظام السوري يتبع السياسة نفسها في تهديم المدن والأرض المحروقة التي اتبعت في غروزني)، وأن المدن السورية (حمص ،حماة، حلب، دير الزور وعشرات البلدات في ريف دمشق جرى تهديمها بطائرات وصواريخ روسية) وبأموال تدفع من إيران وهي ملك لشعب إيران الفقير في دولته النفطية.

للأستاذ هيكل أن يعتبر العداء لأميركا مقياس المقاييس. يشاطره المرء في ذلك بما يتعلق بإسناد واشنطن الاحتلال الاسرائيلي بصورة هستيرية عمياء. وما عدا ذلك فإن السلوك الأميركي قابل للفحص. وثمة شيء آخر قابل للتدقيق، فمن حق من يشاء أن يناصب العداء لأميركا، شريطة أن لا يؤدي هذا العداء للوقوف في صف آكلي لحم البشر، في صف من يشنون حملة استئصال وإبادة لشعبهم بدم بارد كما يحدث في سوريا، وتحت راية العداء لأميركا.


كاتب وإعلامي أردني

8