ضربات سوريا: نهاية تقاليد فرنسا الرافضة للتدخل العسكري

الضربات العسكرية الأميركية الفرنسية البريطانية لسوريا تطرح دلالات عميقة عن الأدوار الجديدة لفرنسا على الساحة الخارجية.
الأربعاء 2018/04/18
لابد من مراجعة السياسة الديغولية

تغيير ملحوظ حاصل في دوائر اتخاذ القرار الفرنسيّ، مقارنة بما كان عليه الإليزيه عند تهديد إدارة الرئيس باراك أوباما بتوجيه ضربات لدمشق في صيف 2013، أو عند الضربة العسكرية الأميركية لمعسكر الشعيرات في 7 أبريل 2017، (كلاهما في عهد فرنسوا هولاند)، وحتى مقارنة بموقف فرنسا (في عهد جاك شيراك) من التدخل الأميركي والبريطاني في العراق.

الدولة الفرنسية التّي كانت تتذرّع بضرورة موافقة المجالس التشريعية وبالمظلة الأممية لتأمين الضربات العسكريّة أصبحت اليوم تتصدر مشهديّة التصعيد العسكري المحدود ضدّ دمشق، وتؤكد -على لسان وزير خارجيتها، جان إيف لودريان- على الرد بالطريقة ذاتها على أي هجوم كيميائي جديد في سوريا.

يطرح تطور الموقف الفرنسي أسئلة حول الأسباب العميقة لهذه الاستدارة في عهد ماكرون، فهل تعبّر عن مجرّد تقابل أميركي فرنسيّ في الموقف الحازم ضدّ الرئيس السوري بشار الأسد، أم أن التحرّك الفرنسيّ مؤشر على سياسات قديمة جديدة لباريس تستجلب بمقتضاها نفوذها وقوّتها الناعمة وتعيد التموقع والتمركز في الجغرافيا المحبذة لعقل وجيب عاصمة الأنوار؟

مثّل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك (1995 - 2007) آخر حفيد شرعيّ للسياسة الديغولية في الشرق الأوسط. رفض شيراك التدخل الأميركي في العراق عام 2003، كما عبّر عن مبدئية ميثاقية، قلّ نظيرها، حيال القضية الفلسطينية والزعيم ياسر عرفات في 2004. ومن بعد الديغولية العتيقة، جاءت صيغ جديدة في دبلوماسية الانسحاب من المواقع المعتادة في الشرق الأوسط لفائدة سياسات أخرى أكثر نزعةً أفريقية وأوروبية بشكل خاصّ.

في السنوات الأخيرة، فرضت قضايا الإرهاب في سوريا والعراق والأحداث في ليبيا تدخّلا عسكريا فرنسيا. في بعض المناطق، مثل مالي، كان هذا التدخل مضبوطا وفق المكان والزمان والمهمّة، وكان اضطراريا في مناطق أخرى، لا سيما بعد ورود أسماء العشرات من الإرهابيين الفرنسيين على قائمة الإرهاب في سوريا والعراق وتركيا، حيث مثلت أحداث شارلي إيبدو ونيس وغيرها محركات لتدخّل حذر ومحسوب ودقيق والأكثر من ذلك جماعيّ.

في تفسير تدخل فرنسا العسكري القوي لا يمكن الاقتصار على جهة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، ومعاقبة نظام الأسد على الهجوم الكيميائي، الذي يؤكد حصوله تقرير مخابراتي رفعت عنه باريس السرية عشية الضربة العسكرية، في انتظار تقرير لجنة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الدولية.

يوم 17 أبريل عام 1946، تم إجلاء القوات الفرنسية عن كامل التراب السوري. ومنذ ذلك التاريخ، قد تكون هذه هي المرة الأولى التي تندفع فيها فرنسا بهذا الزخم العسكري نحو سوريا. ولئن كانت الضربة محدودة جدّا من الناحية العسكرية والحربية فهي عميقة ومتسعة للغاية من الناحية السياسية والاستراتيجية.

فرنسا في عهد ماكرون بدأت تفكر خارج الشرعية الأممية وخارج تقاليدها السياسية العريقة في العلاقات الدولية

جزء من الجدل الحاصل حاليا في باريس من قبل المعارضة البرلمانية ومن طرف الأوساط المدنية الفرنسية متأت من هذه المفارقة السياسية، فهي من المرات النادرة التي تتحرّك فيها باريس ضدّ دولة دون قرار أمميّ تحت الفصل السابع وبلا موافقة برلمانية كاسحة.

لئن وقف وزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان في 14 فبراير 2003 بمجلس الأمن الدولي رافضا التدخل العسكري الأميركي في العراق دون استدرار موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، فإنّ جزءا من الرأي العام الفرنسي يقف اليوم مشدوها من الاستدارة الفرنسية الكلية لا فقط حيال الشرعية الدوليّة وإنما أيضا حيال التقاليد الفرنسية العميقة في العلاقات الدولية.

تفسّر ثلاثة عوامل أساسيّة الإقدام الفرنسيّ وتخلي باريس عن الإحجام النسبيّ في قضايا الشرق الأوسط على مدى العشرية السابقة. أوّلها، إعادة تموقع فرضه التشبيك الجديد مع الرياض. ومن الملاحظ أنّ زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كانت إعلان تحالف جديد بين باريس والرياض ستكون له إفرازات وتداعيات واضحة في التعاطي الفرنسيّ مع الملفات اللبنانية واليمنية والإيرانية والسوريّة.

ثانيها، إعادة تموقع فرضه التقارب الفرنسي الكردي في سوريا. كانت وعود باريس بإرسال قوات عسكرية إلى المناطق الكرديّة لحماية الميليشيات الكرديّة مؤشرا واضحا على أنّ فرنسا ماكرون لن تترك الشمال السوري بيد الأتراك ولا الساحل بيد الروس ولا باقي الجغرافيا بيد الإيرانيين، وأنّها لن تقبل بأقل من دور مؤثر في جينيف وفي باقي مسارات الحلّ السياسي والعسكريّ، لذا فإنّ أوّل موقف أعلنت عنه باريس بعد الضربات العسكرية كان الدعوة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

في العمق الاستراتيجيّ شيئان، إمّا مقارعة واشنطن التي تعاني بشكل واضح من غياب استراتيجية سياسية وعسكرية في سوريا إلا إذا اعتبرنا معارضة المشروع الروسي استراتيجية، وإما تقاسم أدوار وغنائم مع واشنطن في الشرق السوري ومن بعدها تقاسم نفوذ ومواقع سيطرة مع موسكو وطهران.

تمثّل الضربة العسكرية بشكل من الأشكال دليلا ماديا على أنّ باريس مستعدّة لدفع الأمور إلى نهاياتها ضدّ الخصوم، وأنها قادرة على التحرك بلا مظلة أممية، ومؤشرا عميقا على أنّه كما تحرّك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الشمال بلا مظلة أممية فباريس مستعدة للتحرّك في أي جغرافيا بلا تسويغ دوليّ.

وكما يبحث أكراد سوريا عن داعم وضامن دوليّ أكثر حسما وجزما مع تركيا من الفاعل الأميركي الذي تمثل أنقرة لبنة تفكيره الاستراتيجي الأطلسيّ حتّى في أكثر الأزمات الثنائيّة، فإنّ باريس تبحث في سوريا عن حصان طروادة ووكيل مسلّح وخيط هجوم ودفاع متقدّم على مصالحها في الشرق السوريّ.

يكمن ثالث عوامل التدخّل في البعد الأوروبي. وينقسم هذا البعد إلى جزأين، الأول يتعلق بتقوية الدور الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصا بعد انسحاب بريطانيا. ويتعلق الجزء الثاني بالمكاسرة الأوروبية الواسعة مع موسكو ومع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدءا بقضية محاولة اغتيال الجاسوس الروسي مرورا بسحب السفراء والدبلوماسيين والقناصل من الجانبين، وليس انتهاء بالتلويح الأوروبي المستمرّ بالمزيد من تسليط عقوبات اقتصادية جديدة على موسكو.

وكما جرى ترتيب الحسابات ما بين موسكو وبروكسيل في أرض محايدة، وهي أوكرانيا ومن قبلها جورجيا، فإنّ ترتيبا جديدا يحصل لتحجيم موسكو وتضخيم أدوار الفاعلين الجدد في سوريا. ومن الواضح أنّ دلالات التدخّل الفرنسي أكثر غزارة وامتدادا من الضربة العسكرية بحدّ ذاتها، وتؤكّد أنّ فرنسا في عهد ماكرون بدأت فعليا تفكّر خارج الشرعية الأممية وخارج تقاليدها السياسية الديغولية.

6