ضربة التنف إنذار أميركي للميليشيات العراقية المندفعة نحو الحدود

الضربة الأميركية المحدودة لميليشيات موالية لنظام الأسد في سوريا حملت رسالة واضحة المعاني للميليشيات ذاتها على الطرف الآخر من الحدود، والتي اندفعت بطريقة غير محسوبة نحو غرب العراق لتأمين موطئ قدم لمشغّلتها إيران في منطقة بدا أنها واقعة في قلب الحسابات الأميركية وأن واشنطن مستعدة للذهاب بعيدا في منع طهران من السيطرة عليها.
السبت 2017/05/20
مغامرة الحرب على داعش مهددة بنهاية دراماتيكية على يد القوات الأميركية

بغداد - حمل كبار قادة الميليشيات الشيعية في العراق على محمل الجدّ الرسالة القوية التي بعثت بها الولايات المتحدة من خلال توجيهها ضربة لفصائل موالية للنظام السوري كانت بصدد الاقتراب من مثلث الحدود العراقية السورية الأردنية عند مستوى بلدة التنف.

وتتحدّث مصادر عراقية عن حالة من القلق البالغ تخترق صفوف قادة الميليشيات المشاركة في الحرب ضدّ تنظيم داعش في العراق، ضمن ما يعرف بالحشد الشعبي الذي اندفع بشكل كبير نحو مناطق الحدود بين سوريا والعراق بمجرّد ظهور بوادر عن اقتراب معركة الموصل من نهايتها، وذلك تنفيذا لرغبة إيرانية في السيطرة على تلك المناطق استباقا لخطوات أميركية هادفة لقطع طريق التواصل بين إيران وسوريا عبر العراق.

وبحسب خبراء عسكريين، فإنّ الضربة التي لم تكن سوى عمل محدود يراد من خلاله توجيه رسائل للفاعلين المحليين والإقليميين، أظهرت مدى أهمية المناطق الحدودية في التفكير الاستراتيجي الأميركي الذي يمتد إلى مرحلة ما بعد تنظيم داعش في سوريا والعراق، وعملية ترتيب النفوذ داخلهما، كما أظهرت مدى جدية واشنطن في منع أي قوى عاملة بالوكالة لمصلحة إيران من السيطرة على مناطق الحدود ونقاط التواصل بين بلدان الإقليم.

وأصبح قادة الميليشيات الشيعية في العراق يستشعرون مدى خطورة الاندفاعة غير المحسوبة صوب الحدود، حيث الامتدادات الصحراوية الشاسعة والأماكن المكشوفة

ما يجعل مقاتليها تحت رحمة الطيران الأميركي. وقال أمين عام ميليشيا “سيد الشهداء” أبوآلاء الولائي، الجمعة، إنّ الطائرات الأميركية قامت بقصف قوات من الحشد الشعبي في منطقة البوكمال قرب الحدود العراقية السورية.

ونقل موقع السومرية الإخباري عن الولائي قوله إنّ القصف جرى ليل الخميس إلى الجمعة، دون ذكر المزيد من التفاصيل.

وكانت ميليشيات الحشد تعوّل على الغطاء الحكومي لتجنّب أي عمل عسكري أميركي ضدّها، لكنّ القصف الذي تحدّث عنه أمين عام كتائب سيد الشهداء يعني سقوط الرهان على هذا الغطاء.

وتعلن حكومة بغداد الحشد الشعبي المكوّن في غالبيته العظمى من عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة الموالين لإيران، كجزء من القوات المسلّحة العراقية خاضع لإمرة رئيس الوزراء حيدر العبادي.

الضربة أظهرت مدى أهمية المناطق الحدودية في التفكير الاستراتيجي الأميركي الذي يمتد إلى مرحلة ما بعد داعش

غير أن الجميع وعلى رأسهم الولايات المتحدة لا يأخذون ذلك على محمل الجدّ ويعتبرونه مجرّد مسألة شكلية، وأن الولاء الحقيقي لفصائل الحشد هو لقادتهم المرتبطين بدورهم عقائديا وسياسيا وماليا بإيران.

وتسود قناعة داخل العراق وحوله أن العبادي لم يختر الزجّ بميليشيات الحشد في مناطق الحدود لمعرفته الدقيقة بحساسية الموضوع لدى الولايات المتحدة التي ساعدته كثيرا في مقارعة تنظيم داعش وتحقيق نصر يلوح وشيكا في مدينة الموصل.

وفي المقابل يدرك الجميع أن معركة الحدود التي اندفع الحشد نحوها هي لحساب إيران وفي إطار صراعها ضد الولايات المتحدة على النفوذ في العراق وسوريا، حيث ستمثّل خسارة تلك المعركة خسارة كبرى لها، وذهاب الجهود التي بذلتها للتمكين للميليشيات على مدار الحرب ضد داعش، أدراج الرياح.

كما يدرك قادة الحشد صعوبة معركة الحدود وخلفياتها. ووصف القيادي الكبير هادي العامري تلك المعركة بـ”المعقدة”، قائلا “أطلقنا عليها تسمية معركة الحدود لأننا نعتقد أنه بالسيطرة على الحدود يمكن أن نضمن أمن العراق”. كما عبّر العامري عن مدى الترابط بين الوضعين في سوريا والعراق، مؤكّدا أنّ “القتال هنا كأنه قتال في سوريا”.

أما القيادي بميليشيا عصائب أهل الحق، جواد الطليباوي، فكان أكثر وضوحا في التعبير عن التوجّس من ردّة الفعل الأميركية المحتملة على اقتراب الميليشيات من مناطق الحدود قائلا “معركة استعادة ناحية القيروان ستكون صعبة وشرسة وذلك بسبب قربها من الحدود السورية والتدخلات الأميركية والتركية”.

وكانت الميليشيات الشيعية المشاركة في معركة استعادة مناطق محافظة نينوى من تنظيم داعش قد بادرت إلى التوجه إلى مناطق الحدود مع سوريا بمجرّد دخول معركة مدينة الموصل مرحلة متقدّمة، وفتحت استعادة قضاء الحضر بجنوب الموصل بعملية عسكرية خاطفة، الطريق أمام الميليشيات للتقدّم غربا حيث منطقتا القيروان والبعاج، تنفيذا لتخطيط إيراني هادف لضمان موطئ قدم في المناطق الغربية للعراق ومنافسة الولايات المتحدة التي لم تخف اهتمامها بمناطق الربط بين المجال العراقي وجواره سواء السوري أو الأردني، وقد شرعت في تركيز وجود عسكري لها بتلك المناطق، انطلاقا من معارك استعادة غرب الأنبار التي بدأت بالفعل بمشاركة أميركية فاعلة.

وبدأت الولايات المتحدة تدخل على خطّ التواجد بغرب العراق بشكل متزايد رغبة في التحكّم بالحرب على داعش على طرفي الحدود؛ في الجانب السوري حيث أوجدت لها قاعدتين عسكريتين على الأقل في كل من عين العرب والحسكة، وفي الجانب العراقي، حيث رفعت عدد قواتها في عدّة قواعد من بينها القيارة وعين الأسد.

وتمثّل السيطرة على الامتدادات الصحراوية الشاسعة بغرب العراق عن طريق جيوش برّية معضلة حقيقية، بينما يلعب سلاح الطيران والرقابة عبر الأقمار الصناعية دورا حاسما، الأمر الذي يجعل ميزان القوى في معركة التحكّم بالمناطق الغربية العراقية يميل لمصلحة الولايات المتحدة على حساب إيران.

وتحذّر شخصيات عراقية من أن الزجّ بعدد كبير من قوات الحشد في غرب العراق، يجعل الولايات المتحدة أمام فرصة تحجيم تلك القوّة التي تحوّلت على امتداد الحرب ضد داعش إلى جيش رديف يؤمّن حضورا عسكريا لإيران بالوكالة على الأراضي العراقية. ويقول البعض إن وجود الحشد تحت رحمة الطيران الأميركي يمكن أن يستخدم سياسيا من قبل واشنطن كورقة لمساومة رئيس الوزراء حيدر العبادي والضغط عليه.

3