ضربة شمس

السبت 2015/07/11

موجة الحر الصاخبة التي حملت شعلتها الحارقة على طول خطوط الأرض وعرضها، ما زالت تشكل تهديداً لسلامة الآلاف من سكان المناطق الآهلة بالسكان المدللين الذين لم يعتادوا بعد على مذاقها اللاذع، حيث تعاني دول أوروبية العديد من الآثار المزعجة لهذه الموجة التي بدأت منذ منتصف يونيو الماضي، ولن تنتهي –بحسب خبراء الأرصاد الجوية- إلا نهاية أغسطس أو منتصف سبتمبر المقبل مع بعض الفواصل (العاصفية) الممطرة.

ولهذا أعلنت المناطق المتضررة، جملة من الإجراءات الاحترازية فأغرقت وسائل الإعلام بالتحذيرات وأنذرت الناس بالاحتياط مع تخطي درجات الحرارة حاجز الـ35 درجة مئوية. ودعت بعض الحكومات الأوروبية إلى تشغيل مكيفات الهواء في الأماكن العامة كما طلبت من سائقي القطارات بالتأني في السرعة، خشية من تمدد السكك الحديد جراء سخونة الطقس، وأعربت بعض الحكومات الرقيقة عن قلقها بسبب أوضاع المسلمين الصائمين في شهر رمضان الذي يتصادف مروره هذا العام في الأيام الأشد سخونة من السنة.

في حين، اتجهت الشعوب الأوروبية إلى التخلص من أكبر عدد ممكن من الملابس غير الضرورية في تنقلاتها اليومية واتجهت إلى الساحات العامة التي تحولت بركها ونوافيرها إلى مغطس مجاني لآلاف الأشخاص.

كما وجهت الجمعيات التى تعنى بحقوق الحيوان دعوات وطنية، حذرت فيها مالكي الحيوانات الأليفة من العواقب الوخيمة لترك كلابهم فى السيارات تحت رحمة الشمس الحارقة، بعد أن تلقت شكاوى بإصابة عشرات الحيوانات الأليفة المدللة بضربة شمس.

في الجوانب المظلمة (معنوياً) من الأرض، كان الأمر بالغ السوء وفي باكستان –مثلاً- وهي من الدول المغضوب على شعوبها، بلغت حصيلة قتلى موجة الحر قرابة 100 شخص وافتهم المنية مع درجات حرارة تعدت الـ45 درجة مئوية، رافقها انقطاع في التيار الكهربائي.

مراكز أبحاث عالمية أكدت على أن العالم يمضي سريعاً نحو ارتفاع مستمر في درجات الحرارة بمرور الوقت، وإن درجة الحرارة اليوم هي تقريباً ضعف الدرجة قبل 200 عاماً، ما ينذر بتغيرات كارثية في حياة ملايين البشر بيد أن الفقراء سيعانون –كالعادة- أكثر من غيرهم.

وبحسب علماء المناخ -الذين ابتكروا هذا السيناريو المرّوع- فإن العالم أصبح حارا بالقدر الكافي، وإن حرارة الكوكب سترتفع لتصل إلى حدود الكارثة على المدى الطويل، وقد يكون هذا بحلول العام 2100، حيث تصبح بضع مساحات صغيرة من الأرض شديدة الحرارة وربما بعد ثلاثة قرون من الآن، سيتحوّل نحو نصف الأرض التي يعيش عليها الناس حالياً إلى مناطق غير صالحة للعيش.

وعلى الرغم من أن جسم الإنسان يمتلك جهازاً منظماً للحرارة يوفر له التوازن الحراري المطلوب كي يتلاءم مع الطقس المحيط به والتغيرات المناخية الأخرى، فإن المرضى وكبار السن والأطفال لن يصمدوا كثيراً أمام مخاطر الطقس الحار.

في العراق الساخن بسبب حرارة الجو والأحداث، يبطل عمل الإجراءات الاحترازية المناخية بسبب وجود إجراءات احترازية أكثر أهمية مثل؛ كيفية تقليل أعداد القتلى جراء الهجمات الإرهابية والطائفية وكيفية حماية المواطنين من بطش المسؤولين والأخطاء الصديقة، إضافة إلى المحاولات الحثيثة للحفاظ على إنسانية البشر الذين يعيشون تحت خط الفقر وخارج نطاق تغطية الخدمات الآدمية، فلا ماء نظيف ولا كهرباء، لا مواصلات ولا طعام. ومع ذلك ما زالت الحياة الافتراضية مستمرة في خيال الناس المتعبين الذين ترافقهم درجات حرارة -قد تتعدى الـ54 درجة مئوية- وهم في طريقهم إلى أعمالهم ومصالحهم اليومية. هذه الحرارة التي بدأت تذيب الإسفلت وأثاث الشارع، لم تنجح بعد في إذابة أجساد البسطاء، هل هذه معجزة؟

21